الأربعاء، 6 يونيو 2018

تخاطيف


يُقال بأنه طالما استطاعت الكلمات، بطريقة ما، الخروج للعلن، فإن استردادها إلى العتمة التي كانت فيها من قبل هو مستحيل مُطلق. وأنا أؤمن بهذا ربما، أو لا أفعل.. لكن الجلال كل الجلال للكلمات التي تنطلق بأرواحنا إلى مساحة تتسع يومًا بعد يوم من سِعة البوح وكرمه وخفته، الجلال للكلمة، الرحمة بنا نحن قائليها من بين أشواك النفس ودركاتها

في العام قبل الماضي، وخلال عملي ضمن تنظيم "مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية"، سنتجاوز عن فكرة عملي بتنظيم المهرجان إلى سعيي ما بين أماكن العرض في محاولة لسد ثغرات التنظيم من جهة، واللحاق بركب بعض الأفلام من جهة أخرى.. سنتجاوز عنها إلى الرجل الذي لا أتذكر من هو تحديدًا أو ما الذي يفعله هنا بالضبط ليُخبرني بالآتي، بعد أن استوقفني في منتصف الطريق إلى شيء ما، ليقول: انتي ليه -من أول المهرجان- كل ما أشوفك في مكان ألاقيكي بتجري؟

لم يكن عجبي من التساؤل ذاته بقدر دهشتي من سؤال لنفسي: هو عرف إزاي؟ طب لما عمو -اللي لا يعرفني ولا أعرفه- عرف ده من أيام معدودة شافيني فيها كام مرة حتى من غير ما يتكلم معايا ولا مرة، فأنا ليه بجري طول الوقت؟ ورايا ايه عشان ألحقه؟ وايه الشيء القوي أوي في حياتي أو المهم لدرجة إن نفسي المقطوع ده بيقاوح طول الوقت عشان يوصله من غير ما افتكر مرة واحدة بس إن ده حصل فعلًا؟

ما أتذكره جيدًا هو أن غيابي عن الفيسبوك بشكل متصل لعامين تقريبًا، ولفترات متقطعة تصل للستة أشهر من قبلهما، كانت كافية لنيّة مبيتة بعدم العودة لهذا العالم مرة أخرى. تجربة واحدة كانت أكثر من كافية لمعرفة أنه عالم غاضب على نفسه بما يكفي لإحراق الكوكب كله ببعض كلمات.. لكن شيئا ما حدث.. العمل وبعض الأشخاص الذين أردت بشدة متابعتهم.. كانوا كافيين للعودة بشكل خفي وعلى استحياء، قبل أن أقرر مرة أخرى العودة بشكل كامل للتجربة
لا يُشكل الفيسبوك بحد ذاته تجربة جديرة بـ"الحكي عنها"، لكني حين عدت كان قراري قاطعًا بعدم إضافة الأصدقاء القدامى إليه، ثم حدث ووجدني البعض.. هنا فقط اكتشفت الجزء الكبير مني الذي تغير بشكل كامل، ولم يعد مُطلقًا من التجربة السابقة

ما أقصده هنا هو حياتي كلها.. تجربة متكاملة كنت فيها فتاة أخرى، لم تعد من شغفها بالحلوى واستطعام كلمات الود والحنين، وتألق الرغبة في تغيير العالم بين كلمات وأفعل تتبناها جميعًا، لم يُكتب لمثل هذه التفاصيل، والكثير غيرها، النجاة. لكن ما نجى مني بالفعل تحول بنحت التجربة وشدتها إلى إمرأة تُدرك بعضًا من قيمة اللحظة الحية بكل صغيرة فيها.. تتعلم الشغف بما تصنعه يداها، وليس ما ترغب في صناعته فقط، وتخلق لنفسها عالمًا مواز يمكنه فيه النجاة دون الحاجة لحل قضايا الأمن والسلام العالميين أو تطهير الكوكب من الفساد والخوف، أو إنقاذ كل الكائنات من الظلم والموت والحيرة

ما أصبحت عليه، صار مصدر قلق مُضن لمن لم يُعايش التجربة من الأهل والأصدقاء.. ومعهم تحولت التساؤلات الضخمة عن مدى سوء الوضع -كما يرونه بالطبع-، وعما إذا كنت بخير بالفعل -دون أن يروا هم هذا الخير-، وعن ذلك المستقبل المجهول لـ إمرأة لم يُدرك أيهم كيف وصلت لتلك النقطة تحديدًا مما يعتبرونه ضياعًا كاملًا.. كل هذا شكل عبئًا يفرض التخلي الذي لم أستطع معه إخبار الكثيرين تفاصيله الأكثر صعوبة، وحكاياه ذات الدلال والرقة على القلب والروح

على بوابات الإسماعيلية، وقبل مدينة بورسعيد بقليل، يقبع "دُكان" يصلح تسميته "سوبرماركت" لطيف. يتوقف السائق على يمين الطريق ليملأ زجاجة المياة قبل مواجهة الشمس والرطوبة مرة أخرى، ويقف في واجهة الدكان فتى قد يصل عمره للخمس عشرة ربيعًا. يقف دون حراك ويمتنع عن الحديث بمشاهدة كلا العابرين والمتوقفين كالسائق للتزود بالحياة. ولوهلة، تبدو حياته بالنسبة لي غاية الحُسن ومنتهاه.. على طريق الهجرة بين المدن يسكن قلبي وذكرى دكان صغير يتزود بطعم الوجود.. ويمد الناس بسبل النجاة.. يحمي نفسه بدعوات مقبولة لمسافر وجد ضالته هناك؛ مياة أو طعام أو وورد حتى.. وينتظر أن يحمل إليه الطريق المقابل، والذي لا يكون سوى الحكايات التي لا تتوقف إلا بتوقف الحياة ذاتها.. هناك يكمن موطن شغفي ومنبعه.. أحاديث الغرباء المطمئنة إلى عدم اللقاء من جديد.. فتقول كل شيء بلا تحفظ.. وحكمة الطريق تُلقى دون اهتمام بمن يلتقطها، لأن أحدًا لن يتوقف إلا  إذا انقطعت به السبل وضاقت.. وسأكون عندها حاضرة، في انتظاره بكل ذرة مني


السبت، 2 يونيو 2018

حضن مطارات


في لحظة سينمائية بتتكرر دايما، بيكون فيها شخص ما مسافر وداير في البيت عمال يلم حاجات أو هدوم.. في شنطة أو كرتونة، وشخص تاني مهم بالنسباله أو ليه دور مؤثر في حياته، داير وراه عمال يرجع الحاجات اللي بتتلم دي تاني لمكانها
كأحد أكثر المشاهد، أو اللحظات الفارقة في حياتي، بيحصل عند مرحلة معينة إن الاتنين بيتوقفوا تماما عن الدوران في الدايرة المقفولة دي، وبتبدأ سردية ما؛ موقف مؤثر، حكاية أو لمحة عن النقطة الحرجة اللي هما فيها واللي بتتمثل في غياب أحدهما المحتمل عن الآخر لأي سبب كان.. لحظة بيتوقف عندها الزمن تماما وبتبدأ التفاصيل في الظهور بخفة وأناقة.. مستوى تاني من المشاعر والبوح واطمئنان كلاهما لصدق الآخر بيجعل الموقف كاملا أشبه برحلة طويلة اتقطعت في شوط واحد ودي خلاصتها بتُمنح مجانا للعابرين.. المشاهدين طبعا هنا.. اللي هم احنا
...

في أحد محادثات تيد اللي بأعيد مشاهدتها للمرة المش عارفة كام.. بيحكي أندرو عن قصص لعائلات بتقابل ظروف صعبة مع أولادها اللي بيولدوا بنوع من العجز أو المرض أو كلاهما.. الخلاصة اللي أندرو "الباحث والصحفي والمحاضر وحاجات تانية كتيرة" بيحاول يوصلها هو إن الحب وحده كان السبب الأوحد لوصول كلاهما "الأب أو الأم" من ناحية، والطفل من ناحية تانية لمرحلة أشبه بالتسامح مع الحياة بالطريقة اللي اختاروها للتعايش مع المرض أو العجز
في أحد القصص في أم بتقول إنه كان استحالة تصدق في يوم من الأيام إن خوفها على طفلها هايتحول في المستقبل من مرضه إلى خوف من كونه بيتعاطي مخدرات تقريبا مع أصدقائه أو شيء من هذا القبيل.. وهو سأل أم أخرى عما إذا كانت تُفضل إن طفلها لم يولد في الحياة أصلا بسبب عجزه.. وكانت الإجابة إنها خايفة على ابنها من الحياة دي، لكنها لا تتمنى أبدا حياة أخرى بطفل آخر أكثر صحة أو مختلف عن طفلها الحالي
...

من أكتر من سنة كان عندي حساب على الفيسبوك بمئات المتابعين والأصدقاء والأهل.. حساب مُحمل بمحادثات الأصدقاء لسنوات طويلة، وذكريات لا تقل أهمية عن الواقع اللي بنعيشه معاهم.. لكنه كمان كان مُحمل بنسخة لفتاة أنا معرفش عنها حاليًا أي شيء.. وكأنها فتاة أخرى مختلفة تماما عني.. وكأن بحذفي النهائي للحساب ده والبقاء سنة كاملة بعيدة عن التواصل مع أغلب الناس هناك بأنقطع بشكل أخير وكامل عن كل ما كنت عليه في الفترة دي، وبابدأ فترة جديدة، أو بأعيد تعريف نفسي في الواقع عشان تظهر من جديد "امرأة" هذه المرة بتتعامل مع الحياة "ووسائل التواصل ضمنها" بأسلوب جديد.. وبتقطع أشواط سريعة في التواصل مع كل ما كان يخالف اللي كانت عليه.. من جديد، وكأني بأؤكد اختلافي عن اللي فات.. وكأني باتبرأ منه
...

أسبوعين تقريبا عدوا على صحياني من النوم منزعجة على خلفية حلم غير طيب على الإطلاق.. ومن حسن حظي الحقيقة إن محدش في البيت كان موجود ساعتها.. لأنه أكيد كان هايبقى من الغريب بالنسبالهم إن بنتهم تقوم من النوم بتصرخ بشكل هيستيري من حلم مش فاكرة منه أي حاجة.. ومن حسن حظي إن كل مرة ده بيحصل فيها بأكون لوحدي في البيت تقريبا.. ومش قادرة أحدد هل السبب هو إني خايفة من اعتقاد شبه جازم بجنوني بينتشر في الأرجاء من حولي.. ولا لأني مش حابة حد يشوفني قايمة من النوم بعيط لمجرد إني كنت بعيط في الحلم.. بعيط أو بصرخ أو بتخانق أو بجري وقايمة بأنهج في لحظة وقوف هيستيرية لمطاردة وهمية تماما كانت قادرة بكل ثقة على إزعاج نومي الخفيف بالأساس
...

بعد 10 أيام بالضبط من النهاردة هايكون يوم ميلادي.. وللمرة الأولى في حياتي بأتخيل حفلة عيد ميلاد وشموع وصحبة. قبل كده مكنتش بحب عيد ميلادي.. يمكن لأنه دايما ارتبط بفكرة مرور سنة تانية ملهاش أي لازمة.. مقدمتش فيها إضافة للحياة بأي طريقة.. أو هكذا كنت أتخيل
مش عارفة ليه المرة دي مختلفة.. بس بقدر رغبتي في الحفلة، بقدر رفضي ليها وللفكرة بالأساس.. خاصة من اللي ممكن يقرأوا الكلمات دي
فكرتي عن الحفلة حميمية ومقربة من القلب بتواجد مكثف للأحبة.. فكرتي عن أعياد الميلاد إنها فرصة طيبة لإعادة تدوير العجلة بطريقة كل الحاضرين راضيين عنها تماما.. مش عارفة إزاي بس لأن الذكرى مكررة بشكل روتيني قاتل طول حياتنا.. ولأنها فاقدة لمعناها أو قيمتها عند الغالبية العظمى اللي أعرفها عالأقل.. ففي مرحلة معينة بيكون الأمر أشبه بطبطبة على الضهر وفكرة خيالية عن الصداقة والمودة والحنين مُضافا ليها أفكار متضاربة عن النهاية والغروب والحزن.. مزيج مرعب ولامتناهي من الأفكار المتناقضة والمحببة للنفس لمجرد كونها مرتبطة بدايرة صغيرة هم اللي بيفتكروا عيد ميلادك بدون تذكرة.. وهم اللي بيعايروك دايما بإنهم بيفتكروه بس في النهاية هم هنا طول السنة.. وطول ما هم قادرين
...

هدير هي صاحبة العنوان الأثير "حضن مطارات".. وهي الكلمة أو المعنى المفضل لكلانا عند التفكير في اللقاء الأول -الذي لم يكن للآن- ما بيننا
عبدالحكيم هو اللي بعتلي جزء من رواية لكاتبة إيرانية.. ولا الرواية هي اللي كانت عن إيران؟ مش فاكرة.. بس بعتلي صفحة فيها المشهد الأول من التدوينة.. ومبعتليش باقي المشهد اللي انتهت الصفحة اللي بعتهالي فيه عند توقف البنتين اللي بيطاردوا بعض في الشقة.. وبداية الحوار المنتظر.. واللي هاكتشف فيما بعد إن الحوار نفسه "اللحظة الأهم بالنسبة لي" هاتتم مقاطعته بجرس الباب اللئيم.. ولن يكتمل
الحلم عدى على خير وصحيت من النوم.. لكن الفكرة مزعجة عن إنه حتى الأحلام أصبحت موطن للمطاردات والخوف -الرعب في بعض الأحيان- والموت في كثير منها

الثلاثاء، 29 مايو 2018

ويد الله الخفية في زحمة التفاصيل


.ممكن نقول إن استغلال فرصة الكتابة هو الفعل الأمثل للنجاة في الأوقات الصعبة، أو الأوقات التي تبدو وكأنها لن تنتهِ إلا بمصيبة
"على الهامش"

..أما بعد

لم يعد بإمكاني تمرير تفاصيل عدة دون التقاطها وفحصها ثم القول بأنه هاهنا حدث شيء ما مختلف وجيد "على سبيل التغيير"، فمثلًا، ومنذ أن أصبحت أمتلك كاميرا.. ياللهول، يبدو وقع الكلمات ذاته وكأنني قادمة من المستقبل لأخبر نفسي أنها يومًا ما ستُسافر إلى المريخ، فمن أين لي بالحلم، مجرد الحلم، أنني قادرة يوما على امتلاك واحدة من هذه الأشياء البعيدة.. ولكن، الحقيقة أنني أصبحت أمتلك كاميرا لطيفة لم أسمّها بعد، والحقيقة أيضًا أن عيناي أصبحتا تلتقط حبات نادرة من أحداث الحياة، وترجوني كما لم تفعل من قبل أن ألتقطها، وأؤرخها وأعيد قصّها بروايتي أنا، برؤيتي دونًا عن كل شيء آخر.. وهو ما أصبح يحدث ببطء شديد، في محاولة لتجنب المتاعب التي تجلبها أيضًا الكاميرا نفسها في بلدي العزيز.

قراري بالبدء في كتابي المُحتمل لم يتحول لفعل قابل للتنفيذ بعد. مجرد قرار يعوزه إيمان كامل بأني أمتلك قدرة على صياغة جملة ما مفيدة وجذابة وتحوى شيئًا ما قد يجعل شخصًا لا يعرفني على الإطلاق، أو يفعل، يهتم بقرائتها.. وأنا بعد لا أؤمن! لم أفعل حتى في أكثر لحظاتي تألقًا في عمل ما، تقرير أو مقال أو حتى رسالة على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي.. لا يزال إيماني معطوبًا، ورغبتي الجامحة في قص حكايتي تُغريها رغبة أخرى بالبقاء في الظل وعدم التحول عنه إلى النور والحياة  بالصمت الطويل.. لكنه أيضًا صمت مُصاحب بذلك الخوف والكسل.. وبعض من القول بأنه: يعني هو كتابي أنا اللي هايفرق!؟

لم تكن تلك هي الخطة حين قررت كتابته. معضلتي حينها كانت في إيجاد شخص ما مؤثرًا بما يكفي "بحياتي" لإهدائه الكلمات، للكتابة إليه.. أو بمعنى آخر: للقول بأن هناك شخص ما سيهتم بما يكفي -ربما- ، حين يعلم أن فتاة على الجانب الآخر من الحياة قد اختارته هو تحديدًا ليتلقى قصتها.. ليكون هو موضع ثقة الكلمة المهداة إلى المجهول.. وقد كان. لكن وحتى هذا لم يفلح في دفعي  للبدء.. شيء ما جبار بما يكفي ليُخبرني بقوة أنني غير قادرة على إنفاذ تلك الرغبة، وأنا أمنحه الفرصة للاستمرار..

على هامش كل هذا: يبدو رمضان هذا العام خارجًا تمامًا عن تلك القدرة، أو حتى الرغبة، للحاق به.. ولم يكن هذا سوى لإدراك أن العبادة فيه أصبحت ترتبط بنوع من أنواع التغيير الذي لم يُخبرنا عنه مسبقًا رجال الدين.. التغيير الذي يضع حياتك كاملة تتوقف على أبواب رمضان، حياتك التي اعتدتها من قبل تتوقف لحظة قبل أن تصبح أنت وهي على مرمى حجر من تغيير شامل لكل ما اعتدت فعله دون فهم للسبب.. كوب القهوة الصباحي أصبح يبحث عن قيمة لنجاته من تساؤلات عبثية عن جدوى إدمانه، السعي المحموم خلف كل احتمالية للتغيير دون فهم لمكانتها من أولويات خُطت من قبل، أو من واقع يقول بأن تواجدها الآن لا يُشكل أي إضافة لما يجري بالفعل، الصداقات والعمل والعائلة.. ثم قبل كل هذا وبعده، تلك العلاقة الجدلية الشائكة والمحيرة بالسماء.. كل هذا يُوضع أمام غربال ضخم للسبب الذي من أجله تحدث تفاصيل تتعلق بكل منها.. كل هذا يوضع على ميزان ضخم للقيمة الحقيقة من وجودها، والتأثير الحقيقي الذي تُحدثه.. وفقط حين تُعيد اكتشاف المغزى من كل ما سبق، وغيره، فقط حينها يُصبح لرمضان وجود.. يُصبح لذلك التحول المفاجيء والقاس في روتين الحياة اليومية مفعول السحر الذي لم أدركه بعد سوى بعقلي.. بينما لايزال فعلي على بعد خطوة واحدة -كما العادة- من التنفيذ.

..وفي آخر الأشياء أكتب إليك عزيزي أحمد
في الوقت الذي بدا فيه حلم صديقتي لي غير منطقي على الإطلاق، وفيما ظل في النهاية مجرد حلم بلقاء عزيز على القلب وارته الحياة خلف جدران السفر وتقلبات الحياة.. تبدو مراسلة صديق يحمل من صفة الصداقة ما يميز لقاءات عابرة تقف فيها الحياة بأكملها على الهامش لتشهد مودة خالصة يرعاها إيمان عميق وغير مُعلن عنها لكل منا بالآخر.. في وسط كل هذا بدت رسالتك انغماسة لطيفة وعابرة في جنة لم أكن أعرفها.. تلك التي يُدرك فيها القلب عظم الصدء الذي حاوطه، ثم يُمسح عنه هذا بلمسة حانية ترعاها يد الله وتمنحها نقية وخالصة. يجعلني هذا ممتنة لكل الصداقات العابرة، والرسائل المتروكة لدى أصحابها دون رد لأشهر طويلة قبل أن يُدركها وجودها بالأساس.. والهدايا الزاحف اختيارها من أعماق قلبٍ مُحب، والدعوات المتزاحمة على بوابات السماء فدى للصُحبة وللطرق غير المكتملة.. والألوان التي تخط حياتنا بالبهجة في موضع للحزن والاتكاء إلى السكون والتعب.

بحجم السماء.. ممتنة، لكل هذا وأكثر

الأحد، 27 مايو 2018

الروح للروح بتحن...


..عزيزي السيد بلاك

يمكنني تعداد دلالات الحب في الرسائل التي تأتي دون سبب.. تلك التي تقول أني أتذكر.. أو إني أحب.. أو أنني هنا، إلى جوارك مهما كان الأمر، وحتى النهاية. يمكنني رؤية الحب الخالص في هذه الرسائل، والتعرف إلى معناها دون جهد.. يمكنني رؤيتها وأصحابها دون حاجة للخوض أكثر في تفاصيل تحكي عنهم.. وليس من رد أكثر قدرة على منح هذه الرسائل قيمتها سوى برسالة أخرى.. بمعنى أدق: سوى بحكايات جديدة، وهذي بعض حكاياتي.. لذا

..إليك عزيزي

"اللي غايب.. هاته تاني"

بورسعيد مجنونة بطريقة مختلفة يا سيد، وكأنها تزدهر بهدوئها الطاغي وحميمية أهلها التي تأخذ منهم وترد، على عكس جفاف القاهرة وأهلها، بورسعيد خفيفة الظل وتبعث على البهجة.. هكذا تركتني الزيارة الأولى إليها، بالطبع بجوار العديد من الذكريات وإن بقي السائق الذي ذهب بي إلى هناك يحتل الجزء الأكبر منها، ولم يكن هذا لانعدام أي ترتيب أو معنى للـ"نظافة" في حافلته الصغيرة، بل لأنه كبلدته، لم يترك سائقًا يعرفه على الطريق إلا وأطلق صوته أو صافرته مُرحبًا به، ولمرّة واحدة؛ توقف إلى جوار سائق آخر وتحدث لوقت قليل ثم ذهب كل في طريقه.. وأغاظني الأمر بشدة في البداية فقط، وحتى تذكرت ذلك البرود القاسي لسائقي القاهرة وتلك العناية الفائقة برحالهم و"منظرهم العام".. أو ربما كما كان يصيغها أخي: لو اتعاملت مع الناس عادي هاياخدوا عليا ومش هاعرف أوقفهم عند حدّهم! يجعل هذا القسوة مبررة، ففي النهاية أنت لا تتوقع من هذا الآخر سواها

يختلف هذا تماما في بورسعيد.. القاعدة بأكملها تُحطم أمام حميمية الرحلة داخل الإسماعيلية أغلب الوقت مُحاطًا بأزهار المانجو التي لم تثمر، واحتلال البيوت للجانب الأكبر من مُشاهداتك على طول الخط.. ثم في مدخل المدينة بموانيئها وألوانها الزرقاء الهادئة وأرصفتها وبيوتها المتداخلة كبيت واحد متراص بعائلات ممتدة.. لقد عشقت المدينة على الفور

طريق القاهرة ممتد بمد بصري إلى الهاوية..  أحبه لأنه يمنحني مساحة كافية للتفكير.. لكني الآن اكتشف سخرية القدر من كل ما أحببته يومًا في هذا الطريق.. بورسعيد هدمته كله بزيارة واحدة لم أستطع فيها حتى النزول إلى المياة حافية.. وهو ما أخطط لفعله في المرة القادمة بمشيئة الإله..

واللي خاصم.. صالحه تاني"
"ع اللي فايته من سنين

منذ أيام كان حديثي الأولى مع "مينا" الذي يبدو للوهلة الأولى ساذجًا بحجم جنون الكوكب واستهزائه بكل شيء.. لكنه يبدو طيبًا أيضًا ومتسامحًا مع كل هذا.. يُذكرني مينا بكل ما قررت أنه لن يحدث من جديد مرة أخرى.. ستُصدم ربما حينما تعلم أن على رأس هذه القائمة الصغيرة نسبيًا يأتي القرار التالي: لن أحاول اكتساب المزيد من الأصدقاء الطيبيين!

قرار سخيف وغبي ربما.. والأسوأ أنه غير واقعي على الإطلاق نظرًا لإنك الآن صديقي الذي يتلقى هكذا رسالة.. ولكن إليك ما في الأمر.. أنا أُجيد الابتعاد وترك كل شيء.. بمعنى أكثر دقة.. إن أفضل ما يمكنني فعله في لحظة المواجهة، هو الهرب.. تعلمت فعل هذا من صغري لأسباب كثيرة ليس هذا مكانها أو الوقت، ولكن لكل الأسباب التي يمكن ولا يمكن شرحها.. كانت تلك هي طريقتي الوحيدة لمواجهة أزمة ما.. "هل نجحت؟" بالطبع لا.. لكني لا أزال أفعلها

يبدو فعل اكتساب صداقة جديدة وسط هذا العبث الذي أحمله بداخلي أقرب لإدخال هذا/هذه الصديقة إلى حديقة حيوانات دون أقفاص.. مفتوحة كلها على بعض دون رقيب.. وتركه هناك والرحيل.. ولم يعد باستطاعتي فعل هذا.. ولكن
أنا أحب الصداقات القوية.. أحب التعرف إلى الناس.. كل الناس. وأحب الحكايات وهو ما تضمنه لي كل علاقة "قوية أو هامشية" في تلك الحياة.. وهو ما يجعلني أسير على غير هدى، ودون أدنى خطة سوى السير.. سوى مقاومة الحياة بالحياة.. الأولى هي تلك التي نراها في الموت والفقد والتخلي.. والثانية هي محاولة التحلي ببعض الصدق في مواجهة كل هذا والقول بأنني أدركت الآن أن مواجهة كل هذا العبث بالكثير من الجدية.. لم يعد يفلح على الإطلاق.. وأنه ربما يتوجب علي التخلي عن الخطط العملاقة لإصلاح الحياة.. والمثالية الزائفة والغبية كثيرا في مواجهة الأخطاء.. والخوف من تلك القوة التي تمثلها علاقتي بالذين أصبحوا ضمن الدائرة الشخصية جدا لحياتي.. ربما يمكنني فعل كل هذا يومًا ببعض الخفة دون حساب لكل تفصيلة يمكنها أن تكون أو لا.. وعندها أيضًا.. ربما يمكنني ممارسة فعل الحياة
...

..في الماضي كنت لأخبرك أنني بحاجة ماسة للمساعدة
لا .. ليس هذا
في الماضي كنت لأخبرك يا سيد أنني بحاجة ماسة لأني أرى يدًا تمتد تجاهي. فقط تمتد. لا أريد لأحد أن ينقذني.. ولا أريد فعلا من أفعال الأساطير.. ولا أُفضل المعجزات وإن آمنت بها وطلبتها كثيرًا.. لكن الأمور تختلف الآن.. فقط تكفيني رؤية البسيط من الأفعال كالرسائل القادمة على حين غفلة تُنبيء بزوال الحزن بعد طول مكوث.. كالفرحة تكفي وتزيد بمناقشة قضية أو صحبة ساعة أو رابط لأغنية مُحببة إلى القلب.. أصبحت مثل هذه التفاصيل الصغيرة كافية لمجاوزة أكثر أفعال الحياة رعونة وحدة.. فقط لا أكثر.. للآن على الأقل.


 العنوان "لألبوم منير" والفواصل من أغنيته: اللي غايب *

الخميس، 15 سبتمبر 2016

لقد كان طريقًا طويلًا...!


على هامش طريق سَفَر.. تجلس قِصَّة ودليل، وتتبعثر حولهما أمنيات أطقال قلائل الحجم والعمر، وبحار من الصدق والود.

كنت أعرف -بطريقة ما- في كل مرة يأخذني طريقي إلى القاهرة أني سأهيم يومًا على وجهي خلف الحكايات، سأدع قصتي أمام عيني، وأنثر أطروحات وتفاصيل وخبايا الناس من حولي، وأضيع فيها بكامل قوتي. يأخذني الطريق من بداية لأخرى.. تجلس بجواري فتاة في بدايات عقدها الثالث، تصنع من الصمت صديقًا لرحلة تبدو أبدية، وتنظر من النافذة دون حراك حتى تبدّت علامات الوصول.. أمامي يبعث شاب وفتاة الحياة في الطريق.. يأخذون من الضحكات ويردون.. ويتصنعون السكون أحيانًا.. لكن ألق عينيهما لا يلبث أن ينطق دونهما، فيبوح بكل شيء.. بكل شيء.
الطريق ليلًا، ساحر!
الجميع نائم، أو على حافة السكون، إلى رهبة الليل وجلال الوحدة، على سكة ليس لها معالم.. الجميع يُدرك أن النهايات غير مضمونة، والسائق من بينهم جميعًا، يتولى الدفة دون أن ينبس بحرف طوال الطريق.. هو من بينهم جميعًا، خَبِر الحكايات بكل بداياتها ونهاياتها.. ويعرف أنه يخطو نحو قصة جديدة كل يوم، بل كل لحظة.. ولا يهاب في سبيل هذا أن يفرد جناحيه، وينطلق بنا نحو المجهول..!

على هامش قصتي، تتناثر أخبار لا أعرف كيف أصيغها.. تنتظر بطلًا أو غاية!

النور لا يُدرك بقلبٍ صدء.. هكذا أخبرتني الكلمات ذات مرة، عَرِف القلبُ، فلَزَمْ.. ولم يدع للشكِّ سبيلًا لدحر الماضي، بل طريقًا هينًا بين أشواك الحياة..
لم أعد أحاول الهرب مما سبق، بل يحدث أن تعود الذكريات، فأفتح لها الأبواب والنوافذ، وأجلب بضعة مقاعد وأكواب قهوة، وأستمع.. بقليل من الصدق، وبقلبٍ تفهم أن لا سبيل لإنهاء تلك المطاردات العاتية بين أشباح الماضي وأحلام المستقبل سوى تقبّل الأول، ومنح الثاني ما يستحق من الوقت والجهد.
يبدو كل هذا جيدًا في اللحظات الطيبة.. لكن لحظات أخرى تتملكنا، فلا تدع لنا مجالًا لتفكير أو لبقية من عقل! ولا نستطع معها حيلة.

نحن أسرى الحنين..
أقول هذا وأنا أعود لمنزلي مُتعبة من أثر رحلة قصيرة.. في الطريق، خانتني قدماي أكثر من مرة.. كنت أتسنّد على حافة سُلّم، أو سور.. أو على كتف صديقتي دون أن تفهم هي ما الذي يحدث بالضبط، ودون أن أعطيهاه فرصة الشك، أتصنع حديثًا بينما أحاول التماسك.. شيء ما خاطيء يدور بالداخل، وأدفع ثمنه في كل لحظة، إرهاق وحيرة.

سأود لو استطعت إخبارك أنني لا أستطيع المواصلة، ولكنني على مشارف حلم وبدايات طريق.. والراحة لا تفرد جناحيها لمن يريد.. ولكن، رغم هذا، سأُخبرك الآتي:

لقد كان طريقي طويلًا -على قِصره-، رغم أنه لا يحمل الكثير من الإنجازات، إلا لو اعتبرنا النجاة من اليأس، ومحاولات التصالح مع النفس بعد كل سقوط، والهرب من أصوات تحاول جاهدة أن تخبرني دائما كيف أني لا أستحق.. لو اعتبرنا هذه إنجازات طفيفة، فأنا بخير!
أنا بخير.. وأحاول النجاة.
فقط.

السبت، 16 أبريل 2016


ينبعث جمال الحياة عندي من واقع يقول بأنها "منتهية!", أو من واقع آخر يقول بأن لدي اليد العليا هاهنا.. أن بإمكاني إحداث تغيير ما, بسيط أو قوي, لا يُهم, المهم حفًا هو أنه على هامش الدنيا, ستُنبت حديقة من البسمات, وتنبعث منها لآليء فضية من الحُسن والرحمة...

أحب من الأمور أيسرها.. أقربها للقلب, وأخفّها عليه.. ومن البشر أكثرهم امتنانًا لجمال الله فينا, وحبًا للبشر كما هم.. ببشريتهم  المفرطة, وقدرتهم على تحويل الحياة لجحيم أبدي لا ينتهي إلا ليبدأ.
أحب من الكَلِمِ ما ينبع من القلب ليَصُبَّ فيه.. ومن كل حيّ ما يمكن أن يجعل الحياة أقل قسوة ودمارًا... وفي الأيام الماضية؛ أحببت الله لكونه الله.. دون رسائل ترغيب أو ترهيب.. ودون أصوات تعلو دائمًا في خلفية أية فكرة عن الإله تُخبرنا بما يتوجب علينا فعله دائما لنكون إلى جواره, دون خوف وألم..

ذات مرة؛ أُغرمت بالكلمة! كنت أقع في حب الأحرف من النظرة الأولى, فأُعيد قراءتها مرات ومرات, أتوسّم فيها لمحات من خيالٍ بعيد, وقصص لم تعرف طريقها للواقع مُطلقًا. كنتُ أُعيد تشكيل الجُمل فيتكوّن معها عالم يخُصُّني وحدي, دون أن يكون لغيري سبيل إليه إلا عندما أريد -أنا- هذا.. أما غير ذاك, فكنتُ أقيم بُلدانًا, أسافر لأخرى, وأتحول مع العالم لفراشة ونسيم...
ثُم. لما فقدتُ الدافع للحياة, أودعت عشقي للحظات الشغف الخالص, وتركت الأمور تسير كما تريد دون أي تدخل من جانبي.. ولكن؛
يظل للكلمة بريقها.. ولقلبي عشقه الفاتن.

حسنًا..
كيف يمكننا التغاضي عن حب الحياة حين لا يصبح للعيش سبيلًا إلا بالحب؟!
تُذكرني الإجابة بأنني اخترت الموت ذات مرة.. ذات مرة حين توقفت عن حب نفسي, أو الحياة, أو الله! حين تغاضيت عن أمنيات ودعوات.. صداقات وأحبة.. وذكريات خالصة من اليقين والإيمان.. حين تغاضيت عن كل هذا أمام رغبة قوية في التخلص من معاناة اللحظة... والهرب.

كان جمال الحياة, وروعتها, يتلخص -في تلك اللحظات القاتلة- في صداقة.. ونقطة عميقة في القلب تظل توخز ضميرنا بنبضات من الشك في شكنا ذاته.. تومض تلك النبضات على هيئة ذكرى ما, أغنية, لحظة حب صادق, دعوة مستجابة.. وفرحة.
تومض فنتساءل عن السبب.. فنضحك ونبكي في آن واحد.. فيُدرك جزء منّا أننا اخترنا الطريق, كل جزء منه, وأننا على استعداد لاختياره -تماما كما هو- مرة أخرى, الوقوع في حب نفس الأشخاص, الأخطاء, والعثرات مرات أخرى كثيرة.. ثم القيام بعد كل تجربة ونحن أكثر يقينًا مما نحن عليه.. ونحن أكثر ثقة بأنه يومًا ما؛ سيُشرق نورنا من جديد.. وسننبعث نورًا لطريق أردناه منذ لحظة السؤال الأول.. منذ أن أودع الله سره في البشر, وقال للأشياء: كوني...

أحب الله؛ لأنه الله..
أحب الإيمان بأنني يومًا ما؛ سأُشرق.. لأُضيء لنفسي -ولو لنفسي فقط- طريقًا إلى ما تريد.
أحب لحظات الاختيار الحر.. لأنني أعرف عندها ما أنا عليه.. وأعرف كيف يمكنني السير من هناك..
وأحب التصديق بأنه لا يزال في البشرية بعض من خير.. وأمل... على الأقل, حتى يعود للتراب الكلمة العليا...

الثلاثاء، 23 فبراير 2016

هل أخبرتك عن اللحظات الحرجة؟!


شيء ما في "الأيام الصعبة" -إذا أمكننا تجاوزًا أن نطلق عليها هذا اللقب-, شيء ما يجعلنا أقل مبالاة, وأكثر صمتًا وقابلية لاستثمار الحزن أو محاولة استخدامه في تلك اللحظات.. فقط؛ لحظة من الصمت المطلق, ومحاولة لاستيعاب كل شيء, أو محاولة للتغاضي عن كل شيء ثم الانسحاب إلى حيث لا يكون للمكان أو الزمان علاقة بما حدث, أو ما يمكن أن يحدث!

يُقال أنه في تلك اللحظات التي يمكن للغضب, الحزن, أو أية مشاعر سلبية أخري أن تسيطر عليك.. يمكنك أن تُعطي لنفسك ثوانٍ معدودة خارج الإطار الكلي لتلك الدائرة المحكمة التي تسيطر على وجدانك في تلك اللحظة.. أن تتوقف عن الانصياع لما يُمليه عليك عقلك من أنك لابد أن تنفجر في تلك اللحظة أو تعترض أو تحطم الكوكب على رأس ساكنيه.. وأن تُفكر في شيء ما.. هكذا ببساطة..
للتوضيح..
تنتابك لحظة من الغضب القاتل, وبدلا من التفكير فيما يتوجب عليك فعله لمواجهة الظروف الغامضة والأوضاع السيئة, فالحقيقة أنك تُفكر مثلا في كيف ستكون الحياة أجمل لو أنك الآن تحظى بليلة هادئة على شاطيء البحر مع حسناء قررت مشاركتك هذه الحياة!
مثلا..

تبدو الفكرة جيدة في مجملها.. تحتاج فقط أن تُدرب عقلك على استعمالها في اللحظات الحرجة.. هل أخبرتك من قبل عن اللحظات الحرجة؟!
هل أخبرتك عن الأيام التي استعددت فيها لفعل شيء ما جيد ومفيد -على الأقل برؤيتي لحياتي في تلك الأيام- وقرر "أحدهم" أن هذا ليس هو الوقت المناسب لي لممارسة تلك التجربة, وأن الإستكانة إلى سير الأمور كما تحدث هي أنسب وسيلة لاستمرار الحياة دون تعقيدات إضافية من فتاة لا تعرف ما الذي يتوجب عليها فعله بحياة مُنحت لها على غير إرادة من الجميع !

هل أخبرتك عن الليال التي قضيتها في التجهيز لعمل ما, لسفر, أو حتى لقراءة كتابة ما.. ثم فجأة تصبح الأمور سوداوية, وأُصبح -أنا- حمقاء في التعاطي معها, وتنقلب المعادلة كلها ضدي.. وكأنني أقسمت يومًا على عدم الوصول لشيء ما إلا بعد خسارته تماما في طريق مظلم ومحمل باليأس!

أنا غاضبة وحزينة.. هكذا يُهيأ لي.. هكذا يُخبرني عقلي.. وأحاول الاستماع لتلك النصيحة التي تخبرني أن عليّ أن أتغاضي عن كل هذا للحظة واحدة.. لحظة واحدة فقط يمكنني بعدها لملة شتات نفسي والتفكير في شيء ما صائب لفعله بدلًا من إضاعة المزيد من الوقت في أشياء لم تجلب لي يومًا سوى مزيد من الغضب والحزن!

أنا لا أُجيد التسليم للأمر الواقع.. لكنني كذلك لا أُجيد فعل شيء ما صائب في لحظات الغضب.. ولا أعرف كيف يمكنني التعاطي مع كل هذا؟!
بالمناسبة.. هل أخبرتك أنني توقفت عن متابعة الcourse منذ تلك المرة التي تكلم فيها هذا الشخص عن التفكير في شيء ما يُلهينا عن غضبنا أو مشاعرنا السلبية؟!
ما حدث هو أنني كنت أطبق ما أتعلمه في كل حلقة على حدة.. وبعد أن يصبح ما تعلمته هو ممارسة فعلية بحياتي.. بعد أن يصبح ما تعلمته هو تطبيق فعلي, أذهب للحلقة التالية.. لكنني منذ تلك المرة.. لم أستكمل بقية الحلقات! "وكان هذا منذ زمن, لو تعلم!"