السبت، 27 ديسمبر، 2014

وبقاء الصبر, ومحاولة التصبر.


في نهاية فيلم The Lord Of The Rings كان فرودو يتحدث عن الأحداث العظيمة التي يمر بها الإنسان؛ الأحداث التي لا يمكن بعدها عودة الأمور لما كانت عليه من قبل, والتي يتغير معها الإنسان؛ يرى كل شيءٍ على حقيقته.

كان أول ما خطر ببالي في تلك اللحظة هو "يوم الفضّ"...
يظل 14/ 8/ 2013 بالنسبة لي _ومع الأخذ في الاعتبار أني أحد هؤلاء الذين حضروا الفض خلف الشاشات يشاهدون, يبكون ربما, يدعون لهؤلاء الذين يعرفونهم أو لا يعرفونهم .. يرجون معجزةً ما ليتوقف القتل أو لتنشقّ الأرض وتبتلع البشر جميعهم الآن!_ ..
بالنسبة لي كان يوم الفض أحد هذه الأيام التي لا تُنسى, ولكنه سيظل _لمن حضروه, لمن كانوا هُناك في مواجهة الموت_ أحد تلك الأحداث العظيمة التي لا يمكن بحال أن تعود الأمور لما كانت عليه قبلها؛ أو هكذا أعتقد, حتى لو كان الظاهر عكس هذا !

بعد أكثر من عام في مواجهة الشر والموت والظلام؛ عاد فرودو إلى شاير, لم تختلف الأمور هنالك كثيرًا, بل لم تفعل على الإطلاق! لم يُعانِ الناس مرارة الفقد, حيرة اختيار الصواب مع تحمل عبء العالم بأجمعه فوق كتفيك, اللحظة الأخيرة بعد انتهاء كل شيء, حصر الموتى, معرفة الحقيقة, والإيمان بأن لا شيء عاد لطبيعته حتى بعد انتهاء كل هذا...
!LIFE GOES ON

ربما هذه هي العبارة الوحيدة التى يمكنها أن تصف كل ما حدث, يحدث, وسيحدث في الحياة... 
الحياة تمر؛ بعد الفضّ, بعد مواجهة الموت, بعد معرفة الحقائق الغائبة واليقين في أن شيئًا لا يستحق كل هذا الموت والدمار الذي يسببه البشر لبعضهم البعض!

ومع هذا؛ في النهاية؛ لا شيء, ولا أحد سيتوقف ليسألنا عما إذا كنا مستعدين للاستمرار؟! ... لن يحدث هذا !
بل ستمر عجلة الحياة فوق كل شيء.. وستجعلنا _بعد كل الوقت الذي قضيناه في الهرب من الحزن, ومحاولة استعادة أنفسنا الذائبة مع لحظات مرت_ نتأكد أنه لا بأس لو فَرِحْنَا قليلًا .. لو وافقنا الحياة في استمرارها واستكملنا ما قُدِّر لنا أن نعيشه.. 

حتى بالنسبة للذين فقدوا ذويهم أو فقدوا أنفسهم يوم الفضّ.. الذين يعيشون الآن في غياهب السجن, و في حضرة الموت ... استمرت الحياة! 
اختلفت؟! نعم؛ بالتأكيد.. اختلف كل شيء, لم تعد الحياة لسابق عهدها.. ظهرت الحقيقة بأبشع صورها.. لكن الحياة استمرت! 
حتى بالنسبة لنا؛ نحن الذين عشنا الحزن كاملًا على بُعدِه؛ وعانينا مرارة "أننا لم نكن هناك!", فقط لو كنا معهم؛ لو تذوقنا ما عانوه من الغدر والألم .. فقط ربما لو كنا هناك! لربما هدأت قلوبنا في مواجهة استمرار كل شيء كما كان عليه؛ أو على الأقل في مواجهة شخص ما يدعي بكل ثقة وجهل أننا كاذبين بما يكفي لنقوم بتزوير موت أهلنا؛ لنكسب تعاطف الناس!
لربما كنا نقول لأنفسنا الآن أن كل شيء على ما يرام! فقط لأننا لا نحتمل طعم الهزيمة الذي نعرف جيدًا أننا نحياه الآن بأبهى صوره!
.....

في الماضي؛ كنت أتعجب للفلسطينيين.. كيف يمارسون حياتهم طبيعية بعد كل حرب, بعد خسارة الأبناء والأهل ..! أن يخسر شخصٌ أهله جميعهم في حربٍ ليس له فيها ناقة أو بعير! ولكنه لديه القدرة على أن يستكمل الحياة .. ربما يتغير الكثير بداخله, لكنه يستكمل الحياة! كنت أرى في كل هذا تناقضًا غريبًا على عقلي, ولم أستطع استيعابه؛ إلا الآن..
!LIFE GOES ON

ليس فقط أن الحياة تمر؛ مُطلقًا.. لكن؛ 
نحن _كمسلمين_ نحمل رسالة.. نحمل همّ هذا الدين, صلاح الأمة, إيصال رسالة مُحمد صلَّ الله عليه وسلم إلى كافة البشر... نحمل همّ القضية, فلسطين, همَّ ضياع المقدسات .. أو هكذا يجب أن نكون!

فرودو كان يحمل رسالته. كان يحمل عبء تدمير الخاتم, كان يُمثّل الخير في مواجهة الشر.. الشر المُطلق.. دمار العالم وضياع البشر.. ربما سيظل هذا فيلم بأية حال! لكن؛
بالنسبة لنا كمسلمين؛ كأمة تحمل رسالة, هل ستختلف الأمور بالنسبة لنا بعد كل الأحداث العظيمة التي تمر بنا؟! هل تعود الحياة لطبيعتها بعد كل شيء؟! دون أن ندري, أو نتفكر, أو حتى نُحاول التعلُم! هل هذا ما يحدث حقًا؟!!

ربما ليس هذا هو الوقت المناسب للحديث عن كل هذا بأية حال ..
.....

الآن؛ بعد أكثر من عام على الفضّ.. لا يزال سماع 14/ 8 يُثير الكثير من المشاعر, والأفكار.. والصور...
عامٌ كامل من المظاهرات بعدها.. ارتباط اليوم بشكلٍ ما بصورة أسماء البلتاجي ومصعب الشامي دون أدنى فهم لسبب يجعل هذين الاثنين هما الأقرب لقلبي أو لربط كل ما مرّ هذا اليوم بهما!.. خباب على الهاتف يَعُّدّ لي عدد الذين خسرهم هذا اليوم ومحاولاته الهرب مني كي لا يغلبه البكاء أو الصراخ فتذهب كل قواه سُدى.. أمنية وهي تبكي وتحاول فهم سبب ما يحدث أو تستمد مني بعض من القوة التي لم أمتلكها هذا اليوم بالذات ... محمود سعد, الطبيب الذي ضاعت جثته ولم يجدها أهله حتى الآن, الفتى الذي يُمثل كل من ضاعوا في هذا اليوم.. حفظه للقرآن.. عمله التطوعي.. لحيته الخفيفة.. وجمال ابتسامته في كل صوره وهي تُبشِّرُ بضياعٍ ليس له نهاية... اختناق الأطفال بالدخان والغاز .. ومحاولاتي لأخذ نفس عميق كلما مرت تلك الصورة بعقلي وكأني أنا من يُسحب منه الهواء وليس هم...!!
كل الأحداث التي مرت بعد هذا؛ الحياة التي لم تعد تعني شيئًا سوى أيام تذهب بطيئة وكأنها تُقسم على إعطائنا الألم جرعات متتالية دون كلل أو ملل..!

بعد كل هذا؛ سيكون علينا التوقف, الكتابة _ربما_ عن كل هذا في كل مرة نتذكره فيها؛ تخليدًا للذكرى, وتذكيرًا بأن الهدف لم يتحقق بعد, وأننا لم نصل إلى غايتنا, بعد. سيتوجب علينا طي الصفحات, إعطاء الفرصة للهواء كي يشق مجراه بداخل مسامنا المغلقة, لكي تتعود رئتينا الحياة .. سيتوجب علينا القيام وفضّ غبار سنة كاملة, وأكثر منها؛ قضيناها همًّا وحزنًا .. والبحث عن طريق آخر للعودة.. إلى البداية هذه المرة !
لنجد الطريق.

الأربعاء، 17 ديسمبر، 2014


في الطريق الطويل _نسبيًا_ إلي الجامعة؛ تختفي آثار المدينة تدريجيًا؛ وصولًا إلي تلك اللحظة التي تستشعر فيها الهواء نقيًا بلسعةِ بردٍ خفيفة تتحدي الشمس المائلة للاختفاء.. الزحمة, الأصوات العالية, الدخان, أكوام القمامة .. يُصبح كل هذا _لدقائق قليلة_ جزءًا من ماضٍ سحيق.
تلك اللحظات هي الأصدق علي الإطلاق...
الطُرق تلتّف وتتمايل و تُصبح حكايات تروي قصص مَن مرّوا مِن هناك.. و اكتشف في لحظةٍ ما أني أعشق تلك الطُرق المنحدرة "صعودًا أو هبوطًا"؛ ذلك الميل الطفيف _أو الحاد_ وصولًا إلي النهاية..

في صغري؛ اعتدت أنا وصديقتي أن نعود للمنزل كل يومٍ من نفس الطريق .. نتمايل مع الشوارع, نضحك بأصوات عالية, ندّقُ الأبواب المارة في طريقنا ثم نجري بعيدًا قبل أن يوبخنا أصحاب المنازل أو العابرون في الطرقات .. و في طريق ضيّقٍ قبل النهاية بقليل؛ يقبع ذلك المُنحدر الطفيف كعلامة بارزة من علامات الزمن.. نمشي لمنتصفه .. نضع حقائبا .. ثم نعرد لنقطة البداية و نعلن بدء المسابقة اليومية في العدو؛ مع ملاحظة أن علي المُتسابقين أن يحملوا حقائبهم من منتصف الطريق ويُكملوا "الجري" حتي النهاية ^^
تذكرت كل الأيام التي كنا نفتخر فيها بفوزنا, بقدرتنا علي حمل الحقائب المليئة بالأحمال الثقيلة و الوصول لآخر المشوار بسلام ..
تلك القصة المُختصرة للحياة... تسير طبيعية حدّ السأم, مُملّة, و كئيبة.. نسير علي غيرِ هُديً, ندور في نفس الدائرة مرات ومرات .. ونتوقع في كل مرة أن نفوز.. أن نجد رايات النصر و أمجاد البطولة و طعم الانتصار!
...

تتلقاني في بداية الطريق "داخل الجامعة"؛ غِربانًا تُحلّق بمجموعات كبيرة .. في العادة لا يهُمّني هذا؛ بل استمتع بمراقبة غرابًا ما يبحث عن طعامه هنا وهناك .. لكن رؤيتها هكذا مجتمعة! لابد أن أعترف أنها تسلب طمأنينة القلب, وتُلقي الرهبة في النفس!
...

لا أعرف حقيقةً ما العلاقة التي تربط بين "موسم الامتحانات" وبين الرغبة في الكتابة, بل تحليق الكلمات كمجموعات الغربان السابقة تبحث عن طعام وتنتظر بشوقٍ لتفترسه!
...

لم يكن بُدٌّ من الكتابةِ عن كل هذا, من الغوص.. التفرس في الرسائل, و محاولة إيجاد العلامات .. أية إشارة تُخبرنا أننا لا نزال علي صواب.. أننا اخترنا الطريق الصحيح .. أن المنحدرات لم تكن مُجرد مُتعة علي طريق الروتين اليومي و انتهاءًا براحة سقيمة لا معني لها... أن الأمل معقود علي قليلٍ مُتبقٍ من الصبر و التصَبّر .. و أن النهاية تحمل الخير.. أو بعضًا منه.

الأحد، 14 ديسمبر، 2014


و جُلَّ ما أبتغيه الآن هو ليلٌ برائحة الفانيليا؛ مخبوزةٌ مع الذكريات في حلوىٍ تتلذذ فيها بطعم البهجة, و تدور عليها أكواب الشيكولاة الدافئة كأجمل ما يكون لليالِ ديسمبر المُفعمة بالبرودة ^^

الأحد، 7 ديسمبر، 2014

فقط, لتعرف !


سأخبرك عدة أشياء عنّي, اسمح لي أن يكون هذا المساء مليئٌ بالثرثرة حيث أن الصباح يحمل "خطة بحثية" غيرُ جاهزة لتُقدّم لدكتور جامعي لن يقرأها ليُقيّم بها قدرتي علي القفز من السنة الثالثة للرابعة, و مدى تفهمي للهراء العظيم الذي يُحدّثنا به في كل مُحاضرة !
ولأنك تعلم مدى كراهيتي لنظامنا التعليمي في هذه "المخروبة" و الذي لم يستطع استيعاب قدراتي الخارقة و عقليتي الفذّة ! فهذا مساء قررتُ فيه أن أُفرد لنفسي مساحة علي مُحيط حياتك, و حياة الجميع .. و لتذهب الجامعة إلي الجحيم بكل أريحية ..

أكره نظامنا التعليمي كما أخبرتك. لكني _للحق_ لستُ طالبة مُجتهدة, أو حتي نصف مجتهدة؛ اللهم إلا فيما يَهُمني حقًا ويحتل مساحة من تفكيري و من حياتي .. كالغوص في شخصيات الناس, معرفة الكثير عنهم من أبسط الأشياء التي يُهملها الكثيرون و تُمثّل للجميع غالبًا كمٌ مُهمل علي جانب الحديث.. الإبحار في هذا العالم يستهويني تمامًا .. سيُخبرك هيثم ربما أن عليك أن تُقنعني باستكمال دراستي في علم النفس, و ستُخبرك دينا أن موهبتي مُهدرة فيما هو غير مُفيد علي الإطلاق .. و سترى أنت أني أتخذُ من كل هذا التعمُق في حياة الآخرين وسيلة للهروب من حياتي الخاصة .. و أني أُفلح في هذا كأحسن ما يكون !

ستعلم بالتأكيد أني مُستمعة جيدة جدًا, بل ماهرة _إن جاز لي أن أصف نفسي ولم يكن في الأمر غرور_ .. الإنصات التام المشوب بالاهتمام الحقيقي, وليس المُصطنع .. بل الرغبة الحقيقية في المُساعدة عن رضيً .. و حب !
ستراني أتحوّل إلي صخرة علي شاطئ الإسكندرية تُنصت في شغف للمُحبين, للحزانى, للمليئين بالغضب .. ستندهش من قدرتي علي استيعاب كل هذا و رؤية النقاط البيضاء في القصص الملأى بالحزن والظلام .. من البسمة التي لا تُفارق تلك اللمحات الباهتة من أطراف القصة المُتدلية من قلب الراوي ..!
وسأدرك أن اندهاشك لأنك تعرف الحقيقة التي لا يعلمها أحد .. أن كل هذا الإنصات _ربما_ بحثًا عن نقظة ضوء .. نقطةٍ محورية يُصبح عندها لكلِ شيءٍ معني .. أو مُنحدرًا ما تتضح معه الغاية و السبيل ..
ستُدرك أن الحيرة القابعة في الداخل لا تظهر سوى في أحاديثنا الأكثر عُمقًا عن الناس والحياة .. و أن تلك الصخرة التي تتحمل كل ما استطاعت أخذه من مآسي الناس سترتد علي أعقابها و تقذف بنفسها في البحر هروبًا من عدم رغبتها في إنهاء مآسيها الخاصة وصولًا للطريق الذي تريد !

أنت الوحيد الذي يرى الصورة كاملة .. لأنك تُشاهد الواقع و تعيشه معي .. بكل تقلباته .. "تقلباتي".. بكل هروبي وحيرتي .. بكل الأحلام العظيمة و العمل الشاق والنهايات الغير معلومة .. بكل الرغبة في إنهاء مسار واحد إلي نهايته؛ قبل العودة من منتصفه مع إدراك كامل بأن هذا لم يكن يومًا اختيارًا صائبًا !

ستعرف أني أحب القراءة, و أكره الصورة الناقصة للأشياء ..
أني أكره النظام الكامن وراء كل شيء يدعونا للطاعة العمياء ويُملي علينا الطرق التي يجب أن نسلكها و الخطوات التي يجب أن نمشيها و حتي الأحبّة الذين يجب أن نُضحي من أجلهم ! ولكني مع هذا أحب التعلم .. أعشق العودة للبدايات مع كل تجربة جديدة تُخبرني قصّة لم أكن أعرف من ملامحها شيئًا أو تتلو علي مسامعي خفايا العالم .. حتي الأكثر ألمًا منها ومُعاناة ..
ستعرف بعشقي لكل القصص الجديدة .. التجارب .. الوقوع في الخطأ .. التعلم من التجربة .. من المحاولات المستمرة .. من السير علي الطريق .. من اتباع الإشارات حتي وإن كانت خاطئة .. و ستدرك أني أعشق كل هذا بوجودك .. فقط وجودك هو ما يجعل له معني وقيمة .. أنت فقط من تمنحه الحياة لُيمارس لُعبة الحياة معي .. و لتستمتع أنت بطفولتي التي تظهر مع كل تجربة .

ستعرف أني أخوض التفاصيل كاملة .. أغرق تمامًا في حكايا الآخرين .. و أستمتع بالتواجد هناك .. علي هذا الخط الفاصل بين كل ما هو معروف و مُتّبع .. و بين المغامرات التي تحمل الشعور المستمر بالخطر .. بالرهبة .. بالخوف من خوض غمار حرب لا أعرف من سيكون فيها المُنتصر .. لكنك في تلك اللحظة ستكون إلي جواري لنعبر معًا ذلك الخط الفاصل بهدوءٍ و روية .. و بحكمة من أدرك أن النهاية تقترب مع كل خطوة .. و لكنها تحمل أملًا جديدًا .. و إحساسًا بالأمان .. إلي جواري .. إلي جوارك .

الجمعة، 5 ديسمبر، 2014


أواجه صعوبة في الاستيقاظ من أجل كتابة شيء ما.. أو للدّقة.. أواجه صعوبة في الخروج من الدفء لبرودة الجو والكلمات.. لمواجهة نفسي علي الصفحات البيضاء !
و هذا يُضاف لقائمة طويلة من الأسباب التي تجعلني أتمادى في كراهية الشتاء, أو كل ما يَمُتّ للبرد بصلة ...

في فيلم Saving private Ryan .. في تلك اللحظة التي كان يتحدث فيها "توم هانكس" عن فيكو "الشاب الذي مات تحت قيادته", و يتذكر معه كبارزو .. يبدأ الضحك في كلمات تبدو ساخرة .. الذكريات بكل بهجتها في مواجهة الموت الذي يختطف بريق العيون, ويُنذر بصمت بغيض... 
بين كل هذا تظهر الحقيقة بشعة لأقصى حد ..!

كل الأشياء تمر ... تذهب بعيدا حاملة معها كل الوجع و الذكريات و الحب, بينما يبقى خيط رفيع يربطنا من بعيد بهم؛ بالذين ذهبوا و لن يعودوا ..
ربما فِعلٌ ما آثروا أن يتركوا بنا أثره, كلمات ربما, أو أي شيء .. تلك الذكريات التي تُشع كلما حضرت سيرة من رحل.. المصابيح التي تُضيء "في الداخل" تملؤنا بشعور ما.. امتنان, حب, أو بهجة أو حتي انقباض في القلب .. أثرٌ ما يبقى ليُصّر علي أن يجعل لهم حضور .. تلك المواقف المتشابهة التي عشناها معهم ..
Deja Vu "شوهد من قبل" ..
يحدث شيء ما , تشعر أن التجربة هذه قد مرت بك من قبل .. أن المشهد يتكرر .. وأنك تعرف النتائج مُسبقًا !

هل يبدو لأي من تلك الكلمات معنيً بالنسبة لك ؟! لأني لا أفهم شيئا, حاولت و فشلت .. كثيرا ...

هل فظاظة الحقيقة تتمثل في أننا ننسى من رحلوا .. أن الحياة تسير بدونهم, نأكل, نضحك, نخرج, نتزوج و ننجب ونموت .. كل الأمور التي تخيلنا أننا سنشاركم إياها؛ استطعنا أن نفعلها بدونهم !؟ 
هل هذا ما يجعل الأمر بشعًا أم ماذا ؟ هل هو تخيلنا أن الحياة كان لابد لها أن تتوقف عند رحيلهم .. أن تترك مُتسعًا من الوقت لنحزن .. لنُخبر العالم عنهم .. لنقول كم كانوا مميزين و رائعين بحق ؟!
أم أن البشاعة تكمن في إحساسنا بأننا تخلينا عنهم ؟! أننا لم نمنحهم حقهم من وقتنا و حياتنا كما فعلوا هم مُسبقا معنا ؟!
أي هذه الأمور أسوأ ؟؟!
.............

تبدو أفلام الحروب الأمريكية و كأنها تحاول جاهدة أن تجعلنا نتعايش مع الموت , الدمار , القتل , التعذيب , الدماء , الخوف والظلم وكأنها تحاول أن تُصالحنا علي كل تلك المعاني .. تجعلنا نتقبلها لتصير جزءًا من حياتنا .. القدرة علي إظهار الظالم "الديكتاتور _ الطاغية" في صورة البطل الذي يُضحي من أجل بلاده .. من أجل حرية شعبه .. و رفاهيته .. وكأن المقايضة دائما بين الطغيان والظلم لبعض الشعوب أو الناس في مواجهة الحرية و العدل و الرفاهية لمجموعة أخري لابد أن يكون شيئًا مقبولًا و عقلانيًا تماما !!
قلب الموازين و إغفال الحقيقة في سبيل نشر فكرة أو قيمة ما تخصهم فقط ..
صناعة الأبطال .. أبطالهم .. أيًا كان الثمن الذي تم دفعه من دماء البشر و حيواتهم !!!
أصبحت أمقت كل هذا ..

في فيلم Enemy at the gates  تبدو المأساة أكبر ..!
القتل دون شفقة أو رحمة .. دون أن يرمش جفن لمن يمسك البندقية و يُصوب تجاه (الهدف) !

يحكي ( فاسيلي ) لـ ( تانيا ) كيف أن كل الوجوه التي يقتلها تُصر علي العودة .. تعود مُجسدة .. حقيقية ! يحكي أن المعركة تتحول من الأرض إلي عقله .. تهاجمه الوجوه أثناء نومه .. تمنعه من الحياة !
كانت التضحية في النهاية بـ ( ساشا ) .. الطفل الذي حاول أن يفعل الصواب "من وجهة نظره البريئة" .. و الذي دفع حياته ثمنًا لألواح الشكولاتة !
.............

دائمًا ما اتساءل عن المغزى من كل شيء يحدث, أو لا يحدث ؟! ولكن؛ لِمَ يجب أن يكون لكل شيء مغزى ؟!! لم لا تكون القضية في أن الأشياء تحدث لأنها تحدث .. فقط ! لأنها مُقَدّر لها أن تحدث .. لأنها تسير في المسار الذي تعرفه هي والذي لا نفهمه نحن أو نستوعب طريقة سيره !!!

فقط تحدث .. نعيش .. و تمر الأمور بسلام ! دون مزيد من الأسئلة التي لم, ولن تمتلك إجاباتها !

الخميس، 4 ديسمبر، 2014

بين بين

ماذا بين "لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ" .. المائدة (28)
وبين "فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ" .. البقرة (191) ؟
...
كان السؤال واضحًا _عن الأحداث الحالية في مصر_ يعني أنت ممكن ترفع السلاح و تقتل حد ؟! 
_ لو رفع سلاح عليا.. آه !
... تدهشني الأحداث في مصر .. تدهشني قدرتها علي إظهار كم القذارة التي نعيشها يوميًا دون أن ندري .. 

قرأت مرة عن بحث تم إجراءه في إحدي المدارس أو الجامعات .. تم تقسيم مجموعة من الطلبة إلي مجموعتين .. مجموعة "عسكر" لن يحاسبهم أحد علي شيء مما سيفعلوه .. مما سيفعلوه بالجزء الآخر من الطلبة و هم "المساجين" .. يكتب الباحث عن إندهاشه من القسوة والعنف الذي ظهر من مجموعة الطلبة "العسكر" تجاه زملائهم خاصة مع معرفتهم أنه لا رقيب ولا محاسب علي ما سيبدر منهم ..
"لَستُ متخصصة في السياسة أو علم الاجتماع و اكتب هنا عن انطباعات و أفكار شخصية لا أكثر" ..
ينطبق ما سبق علي ما يحدث في مصر من بعد 25 يناير .. أو سأتحدث بشكل خاص عن الفترة ما بعد 3 يوليو .. كم الانحطاط و القذارة و .... التي رأيتها في أحاديثي مع الناس أو في المظاهرات التي حضرتها أو حتي علي حوائط الشوارع لا يمكن وصفها ..

لا يمكن أن يكون كل هذا ظهر من العدم في شخصية "المصري" المحترم "المتدين بطبعه" !
ربما يشرح المثال السابق كيف يمكن لهذا أن يحدث فجأة .. لكن .. يظل جزء ما من القصة غير مفهوم بالنسبة لي .. و لم يوضحه سوى السؤال الأول ..
_ ممكن ترفع سلاحك وتقتل ؟!
_ _ آه .. يعني أنتي لو حد رفع عليكي سلاح عشان يقتلك مش هتقتليه ؟!

كانت الإجابة التي ظهرت حينها أن "لأ طبعا .. أموت أحسن" .. لكن الإجابة "للصراحة" لم تكن مٌقنعة بالنسبة لي كمثال عام ..
نحن مُطالبين بالدفاع عن أنفسنا إذا ما اعتدي علينا أحد .. لكن ما يحدث الآن هو قمة الفوضي .. لا أحد يفهم شيئا .. الحق ضائع .. الباطل متداخل مع كل شيء ..
الآيات السابقة وضعت الحروف فوق النقاط بالنسبة لي علي الأقل ..
قرر هابيل أنه لن يَمُدّ يده ليقتل أخاه .. حتي لو حاول أخوه قتله ! .. لن يفعل .. و هذا ما جعل لإجابتي معني .. نحن لسنا في حالة حرب مع معتدي .. نحن نحارب أنفسنا .. لا أريد أن تكون لي في تلك الحرب يد ..

لا أعرف ماذا سيحدث في الواقع .. ماذا إذا وُضعت في مواجهة حقيقية مع الموت ؟! ربما تظهر الشريرة بداخلي لتقرر إجابة أخري ..
لكن حتي الآن .. سأبحث عن إجابة أخري تستكمل ما سبق ..

الأربعاء، 3 ديسمبر، 2014

في حب الأشياء الخفيفة؛ حدّ الموت !


منذ أيام, والكلمات تُحيط نفسها بغموض غريب عنّي.. أسوار و حصون أقسمت منذ أشهر علي عدم اقتحامها عنوة, بل تركتها تتفتّح لي متي شاءت, وبالكيفية التي تريد... لكن الأمر كان الأسوأ علي الإطلاق من بين الفترات التي خاصمتني فيها الكلمات.. كنت أريد الكتابة بشدّة, كما لم أُرد من قبل .. الكلمات كانت تنهشني من الداخل بينما تُخرج الأسطر البيضاء لسانها و تحلف 100 يمين ألا تمتلئ .. ألا تُطيعني.. و لو لتلك المرة فقط !

الآن ليس الوقت المناسب للحديث عن مساوئ الكتابة أو عن الجفاء الذي يحدث بيننا لأجدني دفعة واحدة في أحضان الفراغ التام.. لأجدني, منذ أشهر, عاجزة عن كتابة صفحة كاملة تُعبّر عن شيء مما أريد الحديث عنه, فقط أسطر متناثرة هنا وهناك.. باردة وعير منتظمة, والأسوأ .. غير عابئة بما أريد أن ألفظه خارجي حقًا ..!

بالأمس, كنت أريد ان أكتب عن رضوى .. زينب .. و هيثم ...
الثلاثي الذي كانت تدور حوله حياتي في الأيام القليلة الماضية.. و رغم أن القطيعة لازالت متواصلة بيني وبين حروفي فربما تبدو تلك التدوينة كمحاولة أخيرة لكسر الرهبة التي نشأت علي غير وعي مني خلال أشهر طويلة سابقة قضيتها مُنقطعة عن أي محاولة لاختراق أسوار الكلمات و إزالة الحدود التي وضعتها أمامي .. الرهبة التي جعلتني أخشي الكتابة, و الورق, و كل ما يمت للتعبير عن الصراعات التي تدور علي أشدها بداخلي وتأبى التوقف.. او حتى إعلان هدنة قصيرة أستطيع فيها لملمة حياتي المبعثرة .. و الرحيل بهدوء.
 ..................

لا يحق لي الكتابة عن زينب.. ليس فقط لكوني لم أعرفها أبدًا .. و لم يجمع بيننا أية وسيلة تواصل سوى ذلك الانكسار الذي حلّق في السماء ولم يهبط منذ رحيلها...
يبدو هذا غريبًا بالنسبة لي.. لأني تساءلت كثيرًا عن الفارق بين القائمة الطويلة من الذين قرروا إنهاء حياتهم علي مدار الثلاث السنوات السابقة .. و بين زينب بالذات؟!
هل لأنها كانت قريبة من كثيرين أعرفهم؟ هل لأنها كانت قريبة من هيثم بالذات و الذي يؤثر في حياتي بشكل أو بآخر؟ هل لأنها كانت "واحدة مننا" ..؟ لأنها كانت تملك أحلامنا بوطن حر.. و حياة عادلة و كرامة و بلا بلا بلاااا ...؟ لأنها امتلكت معنا رغبة إحداث تغيير ما؟ لأنها عاشت معنا الخذلان لحظة بلحظة وأدركت مثلنا أن الأمل في الإصلاح ها هنا أصبح بعيد المنال؟!!
لم شكّلت تلك الحادثة بالذات فارقًا بالنسبة لي انا التي كنت أسخر من تعاملنا مع من سبقوها لنفس الفعل .. من الردود الثابتة عليها .. من الأحكام المُطلقة التي يرميها الجميع وكأنهم ممثلون عن الخالق و حاملين لصَكّ غفرانه أو عذابه !!
أنا التي كنت أري الانتحار يومًا ما حلًا بسيطًا يختصر كل الطرق.. و التي كنت أصمت أمام كلمات الناس عن مدى سذاجة المنتحر الذي خسر دنيته وآخرته .. لأني ربما في مكان ما داخلي كانت تتردد عبارات كـ "الله أرحم بكثير منّا" أو أن "الانتحار هو ظلم للنفس وحده خالقها يُحاسب عليه و ليس أي بشر مهما كان" ....

لم قامت ثورة بداخلي بعد رحيل زينب؟!!
ربما "كما قلت لصديق" لأنها فتحت الباب علي مصراعيه للكثيرين كي يحذوا حذوها .. الكثيرين منّا .. الذين كانوا يتسندّون علي كلمات غرباء عنهم في الواقع .. ولكنهم قريبين كفاية من الروح بكلماتهم .. بابتسامتهم .. بأفعالهم البسيطة التي تقول دائمًا أنه إذا كانت الحياة علي هذه الأرض مستحيلة, فهؤلاء فقط هم من يجعلونها ممكنة .. هؤلاء الذين يحاربون في سبيل قضية ما _تتعلق دائما بغيرهم من الخلق_ حتي لو كانت القضية خاسرة وفقًا لكل الظروف والحسابات والأحداث العجيبة التي نحياها ...

و بينما كان رحيل زينب لا يزال تدور حوله "داخلي" الكثير من علامات التعجب والاستفهام .. جاء رحيل رضوى ....
جاء ليجعل لكل هذا معنيً غريبًا لم أكن اتخيل أن يكتسب قيمته أبدًا من الموت !
الموت الهادئ .. رغم المصاعب.. الرحيل.. المعارك.. السفر الطويل.. الانتظار البغيض للأحبة.. و رحيلهم في النهاية قتلى أو مرضى أو مُتعبين حدّ الموت...

رحلت رضوى بابتسامتها التي اعتدت رؤيتها دائما في كل صورها ... بكلماتها التي كانت كفيلة بإخبار كل شيء عنها حتي وإن لم تكن تعرفها "شخصيًا أو تربطك بها أية وسيلة تواصل .. و لن تكون" .. بحكايات مريد عنها و قصص تميم اللذان يخبران كل شيء ...
ذلك الرحيل الذي لم يصاحبه صخب .. أو بكاء مصطنع لنجوم السينما أو (كبار رجال الدولة) ... لم تصاحبه الكاميرات الكثيرة عن اللازم .. فقط ما ينقل الحدث علي قدر هدوءه و صدمته ...

قصة حبها لمريد .. و حب مريد لها .. تلك القصة التي احتلت تفاصيلها لحياتي و مخيلتي منذ تعرفت لبعضٍ منها .. منذ رأيتها مع رام الله بكلمات مريد و صوت تميم يشرح حكاياتها الأكثر جمالًا لملامحها الخفية ...
.................

كثيرًا ما تخيلت أشكالًا مختلفة لرحيلي.. لكن .. علي انكسار يوم رحيلها .. رجوت أن يكون رحيلًا كهذا ...
رحيلًا بعد معارك طويلة في سبيل الغاية المنشودة .. حتي وإن لم أصل .. "رحلت علي الطريق" .. هكذا سأخبر ربي ... رحيلًا بعد ترك أثر.. بصمة تجعل أناسًا لم أعرفهم يومًا _ولن أفعل_ يدعون لي بالرحمة .. و يخلدون الذكرى بهدوء مُحبب للنفس ...
رحيل يترك قيمة في حياة ابن أو ابنة .. يجعلهم يُكملون الطريق .. يجعلهم علي العهد .. حتي تجمعنا النهايات ...
رحيل هادئ وبسيط .. دون دويّ سوى في قلوب المُحبين .. علي صمتهم .. يجعل لحياة تركتها معنيً و بقاء .
.................

يجمع هيثم تلك القصص بروابط خفية .. دون أن يدري .. و يُلقيها في وجداني فتنبت رغبة في مواصلة طريق بدأ منذ سنوات و لم يُستكمل .. طريق ضاع مني كما ضعت منه .. ولازلت لا أعلم إليه سبيلًا .. ولازالت الإشارات إليه غير واضحة .. ولا زال ( هو ) _أيًا كان هو_ بعيدًا بما يكفي ليُكسبه كل هذا الحماس المطلوب للمقاومة ...

و لا أزال اتساءل _منذ أن رأيت الكلمات عند هيثم_ .. كيف يمكن للقلب أن ينصلح و فيه كل هذا وأكثر كثيرًا ؟!
كيف للحال أن يهتدي للصواب إن كنا نجهل الطريق, ونضلّ الإشارات و نتعثر في الخطى علي غير هداية أو رؤية .. أو غاية ؟؟!
.................

كان كلًا من رحيل زينب الصاخب, و رضوى الهادئ يُبعثر حبّات القلب, ويترك فيه أحجية أخري تنتهك التعب, و تُثير حفيظة التساؤلات التي أود أن أُسكتها للأبد . . .
و رغم صمت الكتابة, إلا أن الكلمات تدور في الأفق دون أن امتلك القدرة علي اصطيادها او اتباع أحدها أو حتي خداعه في سبيل الوصول للبقية .. فعندما أُمسك طرف الخيط و أرى بوادر كتابة تلوح في الفضاء, تصطدم الحروف بعضها ببعض مُحدثة صدىً من الغضب المتزايد بلا سبب, والذي يجعل الكلمات تتوه مرة أخري في محيط من الحيرة لازلت غير قادرة علي إيجاد كلمة سر ولوجه و الإبحار داخله وإستخراج ما أريد ان أقول .. ما أريد أن أخرجه لأستريح .. أو ربما لأفهم .. أو فقط لأوثّق لحظة _ربما_ ستُرشدني في حياة أخري لنور الله الأبديّ .
.................

 انهيار اللحظة في سبيل إيجاد معنيً غائب, أو قيمة للطريق, أو غاية يرقُّ لها القلب ويحتمل من أجلها الحياة ويهون في سبيلها كل هذا .. وأكثر .
البحث الذي يفشل دائمًا في الواقع, فيتجه للكلمات كحلٍ نهائي ووحيد لإيجاد مخرج من الحيرة الدائمة بدون هداية أو وصول ..
كل هذا يبعث علي الصمت أكثر و محاولة الخروج من الدائرة التي تقتلنا جميعًا بهدوء و استمرارية دون كلل أو حزن ..
ولكن شيئا لا يُفلح .

الأحد، 23 نوفمبر، 2014

عبث..


نجلس أنا وهي في ركن واسع من المساحات الخضراء التي تتسم بها الإسماعيلية, نتبادل أطراف الحديث في هدوء واطمئنان.. نضحك تارة, ونسرح تارة في سبيل إيجاد كلمات عجز اللسان عن إطلاقها فلاذت بالصمت كملجأ أخير و مضمون..
ذلك الحديث الطيب عن كل شيء, ببساطة وسعة صدر و ود أعجز عن التعبير عنه..
كانت تبكي.. حاولت جاهدة تجنب أية حوارات تُثير العاطفة المُهددة وتعجز عن إخماد ثورتها, لكن الكلمات كالعادة كانت أسرع مني إلي إعلان الحرب.. والفوز في سخرية واستهتار.. لم أفعل سوى أن ضممتها إلي بصمت كذلك.. هنا بدأ الحزن !

بصمت وبرود أشبه إلي تلك الأفعال الديناميكية التي تنطلق دون حاجة لأخذ الإذن من عقلنا الباطن .. تلك الردود التي تعودنا عليها .. كانت الضمّة باردة.. و جافة .. وغير صادقة علي الإطلاق .. لم أفلح في إخفاء ارتباكي فلُذت بالصمت كبديل أخير أعرف أنه مُجدٍ تمامًا..

اتذكر الآن وأنا اكتب تلك الكلمات التي بادرت كيري راسل إلي كتابتها لطفلتها التي لم تر النور بعد في فيلم Waitress.. "وأرجو أن أكون تذكرت اسم البطلة جيدًا".. المهم أنها كتبت "علي حد علم ذاكرتي الضعيفة":

( أرجو أن تجد من يضمك 20 دقيقة كاملة دون أن يرغب بشيء آخر سوى ذلك ) .. أو..


Dear Baby, I hope someday somebody wants to hold you for 20 minutes straight and that's all they do. They don't pull away. They don't look at your face. They don't try to kiss you. All they do is wrap you up in their arms and hold on tight, without an ounce of selfishness to it

وجدتني فجأة في مواجهة مع تلك القابعة بداخلي لتُخبرني دائمًا أن شيئًا ما ليس علي ما يرام.. وكأني لا أعرف هذا !

لملمت أطراف الحديث بعبارات مُبهمة تتحدث عن الصبر أو الشكر أو شيئا ما لا أتذكره.. أنهيت اليوم علي خير مُقارنة بما كان يحدث مُسبقًا.. و عُدت لبيتي لأجدني في مواجهة أخري مع تلك الأكثر تعقيدًا بداخلي والتي تُخبرني أن العودة هذه المرة لم تمثل بداية لحل لُغز الدائرة التي أتهاوى فيها منذ سنوات طويلة عاجزةً ومُنهكة و غير قادرة علي فعل أي شيء سوى الشكوى المصَاحبة بالكثير من العصبية و التقلبات الحادة في أفعالي المُتضادة أصلًا من دون الحاجة لوجود ما يدفعها لهذا !
و هنا بدأ الغضب !

الغضب الذي يشتعل منذ سنوات كذلك في محاولة جادة لإيجاد ما يُحرقه, ولأنه فشل تمامًا في فعل هذا فقرر بمحض إرادتي الشخصية أن يأكلني من الداخل برويّة وثقة بأن شيئًا أو أحدًا لن يُعيقه عن أداء مهمته بنجاح تام حتي النهاية ... 

منذ قليل أخبرني شخص مُقرّب أنه "لولا بعض الإيمان اللي باقي, لو مكنش في حد واقف في ضهري كان زماني منهم" .. في إشارة إلي سلسلة "المنتحرين" التي بدأت في العمل بجودة وقدرة لا أتوقع معها أن تتوقف قريبًا ...
وهنا توقف كل شيء عن العمل !

تبدو كل التعبيرات عن مدي قسوتنا أو حقارتنا أو استحقاقنا لما نحن فيه هزلية تمامًا عندما تبحث بلمح البصر عن هذه الذي "يقف في ضهرك" فلا تجد سوى علامة تعجب كبرى ترتسم فوق رأسك بتعالي وتحدّ كافيين تمامًا لاستنفاذ كل ما تبقى بداخلك من طاقة كنت تحاول إدخارها منذ أسابيع لتلك اللحظة علي أمل أنها ستُفلح.. أنك ستُفلح في التصدي لها .. وحدك ... حينها تكتشف أن كل محاولاتك لإقناع نفسك بأنك قادر علي المُضي في كل هذا دون الحاجة للفضفضة أو لحضن كبير يتسع لكل أحزانك أو حتي للضحك قليلًا في غمرة وجود هؤلاء الذين تشعر معهم بالأمان التام لتنام بهدوء وأنت تعرف أنك في بيتك حتي لو كنتم في أحضان الشارع المتسع نحو السماء... كل هذا باء بالفشل أمام أول اختبار "لفظي" من قريب علي بُعد كيلومترات منك يتحدث في عبثية تامة في مُحاولة منه لإخفاء أنه لم يعد يحتمل كل هذا العبث !!

يظهر فيلم Waitress بكل أحلامك الطائشة التي تبنيها مع أحداثه ك.. حلم.. كما هي.. بعيدة و غير قادرة علي إحداث تغيير في الحقيقة الغير قابلة للجدل والتي تُخبرنا كل يوم آلاف المرات أننا لم نعد نحتمل !

و فيما تبدو الأمنيات العظيمة.. و الحب الفائض الذي كنت اعتقد أنه يملؤني يومًا والذي كنت اعتقد كذلك أني سأغمر به العالم دفئًا وسلامًا كذكريات غامضة لا أعلم مدى صحتها من عدمه .. وفيما يبدو الواقع أقرب بكثير لأحد أفلام الخيال العلمي التي تكرهها تمامًا ولكن مُجبر علي مشاهدتها لأنك دفعت بإرادتك ثمن دخوله الغير قابل للاسترداد أو المُقايضة علي ابتسامة باهتة لمستقبل غامض بعيد .. و فيما تبدو عبثية كل شيء الآن مُضجرة و في سبيلها إلي إهلاكي.. سأذهب للنوم بهدوء في محاولة أخيرة لإقناع العالم أني لازلت أحاول استردادي .. بمنتهي قلة الصبر والحيلة .. و واقفة علي أعتاب رجاء غريب لا أعلم مصدره أن يومًا ما -ربما- سأجد كل شيء علي خير ما يرام, وكما أريده.

الجمعة، 17 أكتوبر، 2014

في الشتاء تصبحُ رائحة البحر مجدًا أبديـًا ...


بينما يدخل الخريف علي استحياء رافعـًا قبعته ومستمسكـًا بصفرة الشمس مع بهاء نسائم صيفٍ هادئة, يقتحم الشتاء البيوت والأجساد دون استئذان .. تستشعر وجوده في السماء الرمادية الملبدة بغيوم الخير المُقبل والهواء الخفيف و رذاذ المطر المُسّتحب ...

الشتاء لا يقرع الأبواب, هو  يحتضنك هكذا علي غفلة منك , دون استثناء أو خجل ... يتلمس فيك مواطن الدفء ... نعم .. حتي الشتاء يبحث عن الدفء .. قوانين الطبيعة لا تتغير .. البارد يستمد الحرارة والبقاء من الدافئ دائمـًا .. ويظل البقاء لمن يستطيع المقاومة والصمود للنهاية أيـًا كانت .
....

البرد إحساس داخليّ .. "البرد بيكون من جوانا" .. هكذا قالها لي ذات مرة .
البرد يأتي من العلاقات المُعطّلة الجامدة .. من الصداقات المتفرقة في بلاد الله .. من الأهل الذين لا تجمعهم موائد الإفطار أو حتي مراسم العزاء .. من الحب الضائع .. والأحلام التائهة .
يتغذي علي كل طيبٍ وجميل فينا .. يلتهمه ويُعيده إلينا خوفـًا وهروبـًا و قشعريرة في الجسد لا تهدأ حتي نتهاوى .
الإحساس بالبرد يأتي من ضعفنا نحن .
....

بينما الدفء يُستمد من كل قيمة حقيقة موجودة بحياتنا ... من اللقاءات العائلية الصاخبة حول طعام الغداء .. من الصحبة "علي القهوة" ينشد كل عضو فيها قصة أخري عن اللاشئ .. أو عن كل شئ حول صاحبها .
الدفء ينبع من لقاء الأحبة .. من ( العناقات ) الطويلة التي تتكفل بقول ما لا نستطيع إخباره عن مدي الاشتياق والود والطمأنينة بداخلنا لهؤلاء الذين يحتلون أعماقنا عن رضىّ تام .. "البرد لا يتحمل أبدًا قوة عناقٍ حارٍ تسري رعشته بين أطرافه باقية و حاضرة بأرواحها فينا" .

الدفء يبقى مع صوت فيروز  , رائحة القهوة , البطاطا المشوية .. و الأحاديث حول نيران الليل ... ويستمد كينونته من المنشاوي يُعيد إلينا المعني الحقيقي لجوار الله .. من الحنين للبحر  وللأمنيات البعيدة .. من عرق العمل الطويل في سبيل حلم مشرق في القلب فقط .. من أدعية الفجر وقرآن المغرب و ابتهالات النقشبندي ونصر الدين طوبار تأخذ بأيدينا إلي الله .
....


الشتاء قاسٍ حقـًا علي هؤلاء الذين لا يملكون ملاذًا آمنـًا .. أو "حضنـًا" يتسع لكل هذا الصقيع في ذرات الهواء  و في الأنفس الخاوية .

.......

* هذا المقال تم نشره بموقع نضّارة بتاريخ 7/10/2014 : www.nddara.com

السبت، 16 أغسطس، 2014

#أسرار


في البدء يكون الوعد كبيراً كالسماء, تظن أن باسطاعتك أن تلمسها إذا ما صعدت درجات كافية ..
"لو نجحت هجيبلك اللعبة اللي بتحبها .. _ لو حفظت .. أجزاء من القرآن هنسافر المكان اللي أنت عايزه _ لو سمعت الكلام هطلعك الرحلة بتاعة المدرسة" ... تتوالي الوعود, وتظن أن باستطاعتك تصديقها . ..
.....

أتدري .. يُغضبني كثيراً عدم الوفاء بالوعد .. "الوعد" مقدّس بالنسبة لي!
أقدّر الظروف الطارئة, واللحظات الأخيرة التي يحدث فيها الكثير مما يُفسد حيوات بأكملها .. لكن التكرار؟!!
التَعوّد علي كسر هذا الحاجز يُصيبني بخيبة أمل لا حدود لها .. يصبح سخطي عارماً .. يجعل مني شخصاً آخر لا أعرفه .. ولا أعرف متي تكوّن بداخلي .. أو كيف وصل لتلك المرحلة من الغضب .. "الغضب ربما الكلمة الأنسب للتعبير عن حالتي تلك" ..
.....

بعد هذا يتضاءل المعني .. يُصبح تصديقه غير وارد .. يصبح تحقيقه حُلماً بعيد المنال!
تبتعد السماء لأنك تدرك الحقيقة المُرّة .. هي ليست لـ اللمس .. من يلمسها يحترق .. هي فقط دليل علي أن الحياة أصبحت شاقة بما فيه الكفاية .. وأنه لم يعد بإمكانك العودة مرة أخري لطفولتك البريئة .. أو الوصول إليها ..
.....

الوعود "بالنسبة لي" .. ليست فقط تلك التي بنينا معانيها بداخلنا عن "الحب" أو "التواجد إلي جوارك دائما" أو غيرها من تلك المعاني التي ربطتها بعقولنا الأفلام والمسلسلات والأغنيات ..
الوعود هي مكالمة الاطمئنان بلا سبب, المواعيد المنضبطة خوفاً عليك من الانتظار الطويل والمُرهق, رسائل الود أو حتي العتاب واللوم, ..
الوعود هي قطعة الشوكولاته التي تُصالح بها الأحبة .. هي لحظات القلق في الغياب الطويل .. هي الأمل بأن شخصاً ما لن يتخلي عنك .. لن يدعك تسقط ...
.....

عندما نَكُبر يقل إيماننا بأن الوعود حقيقية, أو يختفي بمعني أدق .. تصبح الحياة سلسلة طويلة من خيبات الأمل التي لا تنتهي.. ونصبح نحن أكثر عرضة للإحساس بالضياع كلما خاب ظننا وخان أحد ما ثقتنا به .. لذلك نفقد إيماننا بسهولة ,, حتي إيمانا بوعود الله عز وجل .. نصبح "هشين" لدرجة مخيفة ..!!
نُفَضّل الابتعاد الطويل علي التصديق بأن شيئاً خيالياً كـ الوفاء بوعد صغير يمكن أن يحدث في الواقع ..!
.....

"الوعود" هي "الإيمان" ...
الإيمان بأن هناك "من" يستحق أن تحيا  لأجله .. _و قد يكون "من" هنا هو أنت فقط_ ..
وأقول "من" لأن الوعود تخص البشر .. تخص الأحياء .. تخص الأصدقاء ,, الأهل ,, المقربين ,, تخص هؤلاء الذين نضعهم بداخلنا ونغلق عليهم القلب والعالم .. لأنهم هم الحياة بأكملها ..
.....

الوعود ..
هي ذلك النَفَسُ الأخير .. المطمئن .. الهادئ .. الواثق بأنك قد واصلت علي الخطي.. بأنك قد اخترت الطريق الصحيح .. والصحبة الصحيحة ..

الوعد هو الصدق المتبقِ الذي يمنح كل شئ وجوده ,, واستمراره..
هو قيمة الحياة ومعناها الأزلي.

الأربعاء، 13 أغسطس، 2014

#عن الغربة


في عناق علي جسر بروكلين كان يقول:
-  كثيرا ما سألت نفسي لم لا أهاجر؟ لكني اكتفي بالسؤال. لا إجابة لدي. لكني اعلم أني لن افعلها أبدا.
-  اعلم.
-  كيف تعلمين؟!
- لأن هذا هو أنت, ولو هاجرت لن تكون نفس الشخص.
....

كنت أحدث صديقتي عن رغبتي في السفر, في الذهاب لأبعد ما يكون عن كل هذا الجحيم, عن كل ما يأكل آدميتنا ويدميها ثم يحرقها ويرمي برمادها تحت أقدام الملوك والحكام!
كان الرد من جانبها علي غير توقع مني.. كانت تقول:
- لا أرغب في السفر, ليس الآن, أريد أن أحيا التفاصيل كاملة هنا, أن أعايش انتصارنا, فرحتنا, هزيمة الطغاء, والقصاص للدماء..
كانت تسأني باستغراب:
-  كيف يمكنك أن تتناسي كل هذا لمجرد أنك لم تعودي تتحملين قسوة الحياة؟ كيف ستواجهين نفسك فيما بعد؟! كيف ستقنعينها ببعدك في لحظات النصر ؟ وعدم قدرتك علي قص حكاياته علي أولدك لأنك لم تكوني حاضرة!! كنتِ بمكان آخر تنعمين بحياة هادئة بينما يُكتب تاريخ جديد هاهنا ليس لكِ منه شئ؟!!!
 ....

الفكرة بحد ذاتها قاسية, نحن عاجزون أمام ما يحدث! ليس لنا من أمر بلادنا, حياتنا, أنفسنا, أو حتي أفكارنا شئ!
لا أنكر أن عجبها مني وإيمانها بالنصر زعزع رغبتي في النجاة بنفسي من هول ما نعايش, لكنه لم يستطع شيئا مع عزيمتي علي الابتعاد..!
....

يقول الله تعالي في كتابه:
"ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها" ...؟!(آية 97 سورة النساء)
....

تسألني صديقتي:
-  سيهاجر كل من يريد للبلاد الخير؟ كل من يريد أن يصلح فيها؟؟ ومن يتبقي إذا ليحارب من أجلها؟!!
أمازحها قائلة بأن الكثيرون ممن يريدون إصلاح هذي البلاد لا يملكون الأموال للسفر, و "احنا أولهم يا موكوسة"
....

هل نحن حقاً أمام معادلة واحدة .. (الهجرة مقابل البقاء)؟؟؟
ألم يعد لدينا خيار سوي الابتعاد التام؟ النسيان؟ الانفصال عن كل ما يمت بصلة لواقع فُرض علينا جبريا أو الغرق فيه حتي الموت أو الاعتقال أو الصمت ؟!
هل من يعيشون في الخارج الآن بمعزل عما يحدث في الداخل؟!
....

التآكل يصيب كل معالم الحياة من حولنا,,
مر عام علي الفض, عام من المسيرات وحفلات القتل والتعذيب وانتهاك الأعراض والاعتقالات وأحكام الإعدام ومصادرة الأموال و ....

الصراخ الصامت يجعل القلب منهكا أمام ما تبقي من الطريق, و هو  طويل بحق .. الموت كل يوم آلاف المرات مع كل صورة, ذكري, وخبر عاجل بمزيد من القتلي .. من أجل ماذا؟!!
ما الذي بإمكاننا فعله الآن؟؟؟؟

الاثنين، 11 أغسطس، 2014

علي هذه الأرض ما يستحق الحياة! *


( أمر محير وغريب, كل العودات تتم ليلاً, وكذلك الأعراس والهموم واللذة والاعتقالات والوفيات وأروع المباهج. الليل أطروحة النقائض.)


كذلك تَعلمتُ بالأمس, و وجدت مريد يكررها اليوم.. "كل العودات تتم ليلاً" .. الشفاء من الجروح, الراحة, والطمأنينة  في مناجاة الله, الرحلات الطويلة التي دائماً ما تنتهي ليلاً, كلمات المُحبين, مُلَخصُ التجارب وتقييمات النتائج, الصلاة الرائقة البعيدة عن الزيف و زحمة الأفكار والخواطر ... ثم النوم الطويل الهادئ .. كل العودات تتم ليلاً .. النهايات تحب الليل .. والكلمات كذلك.

( نجحت إسرائيل في نزع القداسة عن قضية فلسطين, لتتحول كما هي الآن, مجرد "إجراءات" و "جداول زمنية" لا يحترمها عادة إلا الطرف الأضعف في الصراع. ولكن هل بقي للغريب عن مكانه إلا هذا النوع من الحب الغيابي؟ هل بقي له إلا التشبث بالأغنية مهما بدا له هذا التشبث مضحكاً أو مكلفاً؟ )

وهكذا يحدث هاهنا, وفي كل الأماكن المحتلة, التحول من الانتماء للمكان, للزمان, للذكريات والحكايات المجسدة, الناطقة, والبديهية في تلاقي مرادفاتها وتجانس معانيها للجميع .. الاحتلال يحول كل هذا إلي ذكريات بعيدة, ثم يبذل جهده ليقنعك أنها ستظل كذلك للأبد! ..

( الاحتلال الطويل استطاع أن يحولنا من أبناء فلسطين إلي أبناء "فكرة فلسطين". )

وماذا يفعل هؤلاء الراحلون من الصراعات والقتل والخراب الذي لا يترك باباً إلا ويطرقه, عمداً أو سهواً .. ماذا يفعل أبناءنا الذين قطعنا علي أنفسنا وعداً بأننا لن ندعهم فريسة للدماء والنكبات .. ماذا نفعل نحن الذين نبذل أقصي جهدنا للرحيل .. الرحيل التام والنهائي؟؟!
الذكريات التي لدينا حية لا تزال .. ماذا تفعل بها الغربة ؟؟
الغربة التي تُحَوُل الذكريات لصور ثابتة, تُخفي منها الحياة, تجعلها هباءاً منثوراً, بلا روح, بلا عاطفة إلا لهؤلاء الذين عاشوها وبذلوا فيها الضحك والبكاء, تراشق الزهور والقفز علي الأسوار وتعاطي المعاني كالهواء شهيقاً وزفيراً مع كل لحظة متبقية من حياة أصحابها .. الغربة هي هذا الموت البطئ لكل ما هو مقدس .. لكل إيمان متبقٍ بأننا نتنمي لهذه الأرض وتلك الحياة .. لكل أمل باق و وعد مُؤجل بالنصر.

( وماذا تفعل أجيال كاملة ولدت في الغربة أصلاً؟ ولا تعرف حتي القليل الذي عرفه جيلي من فلسطين؟!  )
......

( ستتخذ اهتزازات الماضي مداها إلي أن تهدأ وتسكن وتجد لها شكلها الذي تستقر عليه .. هذا يحتاج إلي البطء الساحر. البطء العزيز .. الذي يجعل الشعور بالراحة والسكينة يتغلغل علي مهله فينا .. فهذه الأحاسيس لا تتشكل دفعةً واحدة, ولا بطريقةٍ مباغتة, البطء الذي يوصلنا إلي تلقائية تعّوُد الجديد .. إلي اعتباره طبيعة الأمور وأصلها الأول .. وهذا يتطلب أن نعيشه بكثافة, وبكثرة. وعلي مهل. إننا نتعلم ذلك. )

اليوم رأيت كلمات عن المنسيين في سجون الاحتلال بمصر. نحن ننسي القضية! .. نحن ننشغل, ونترك الحياة لتأخذ مجراها الطبيعي في سير الأمور كما هي, نحن نهرب بأقصي طاقتنا بعيداً عما يسلب أرواحنا المهلكة أصلاً .. نحن نسرق لحظات للفرحة عبثاً من وسط ما يحدث ونُهَولّها وننفخ فيها لكي تبقي, لثوانٍ معدودة نحاول فيها أن نلتقط أنفاسنا من جديد لنكمل السير, فقط لنقوَ علي السير, ليس تحقيق الأحلام, ليس البحث عن الأهداف العظيمة والحياة الخالدة والإنجازات التي لا تهتز ذكرياتها في قلوب من سيكملون الطريق بعدنا .. فقط السير!! التعكز علي بقايا الروح, ثم الدعاء والبكاء الطويل ..

نحن ننسي!!
نفقد اهتمامنا "بل شغفنا" بالقضية, بالأرض و الوطن, نحاول تعريف الانتماء من جديد ليكون لكل مكان نستيطع في الحياة دون أن نُقتل فقط لأننا نخبر برأينا في طعم القهوة وإمكانية السير في الطريق .. نحاول تعريف إيماننا ليشمل كل معني للفرح والحرية خارج إطار الإرهاب والترويع والموت البطئ ..
نحن نتمادي في النسيان, في التغاضي عن صور الموتي وأشلاء الإخوة التي يجمعها الدين والدم ..

لا أريد أن أنسي!
رغم صعوبة الحياة, رغم صعوبة التنفس, المقاومة, الفرح, وحتي البقاء! .. لا أريد أن أنسي .. لا الأرض, لا المقدسات, ولا الأهل .. الأحياء منهم والموتي ..
القضية .. العودة .. القدس .. الأمة .. قطرات الماء .. طعم الذكريات .. أحاديث الأحبة .. وجمال الحرية و الفرح و الضحك ..
لا أريد أن أنسي المفردات !!
و لكن .. ماذا نملك أن نفعل للبقاء؟!

 "وخوف الطغاة من الأغنيات"*
هذه هي الإجابة الوحيدة التي أملكها الآن, هي إجابتي, هي سبيلي للمقاومة, والبقاء.. هي سلاحي في وجه كل أنواع الاحتلال والخوف الذي يعصف بالحياة .. بحياتي!
"الكلمة المكتوبة" هي سلاحي.


.......
* كلمات محمود درويش.
(..) كل ما بين هذه الأقواس من كتاب "رأيت رام الله" لـ مريد البرغوثي.

السبت، 7 يونيو، 2014

و سلام من اللـه!


طفل يخطو وسط بركة من المياة لا يدري من أين تأتي ولا كيف تذهب .. لا يتفادها أو يقفز فوقها .. فقط يمر وسط المياة بثبات وفرحة .. 


علي يمينه يجلس طفل آخر إلي مجموعة من ثمار "المانجو الخضراء" يبيعها لأطفال مثله ويتجادلون فيما إذا كانت الواحدة بنصف جنيه أو بـ جنيه كامل في محاولة لطيفة تليق ببرائتهم لإيجاد طريقة مُثلي للاستمتاع بـ"جنيهاً كاملاً" ..

في الخلفية تحمل أم ابنتها وتحاول إلتقاط إحدي "فردتي" حذاءها الصغير فتسقط الأخري خلفها .. تلتقطها فتسقط الأولي .. وهكذا دواليك .. دون كلل منها أو ملل ..

وبينهم,, أحاول إلتقاط تلك الثواني القليلة التي أخرج فيها من العمل لشراء شئ ما .. وسرقة بعض اللذة من لمسات الهواء والنظرات المرتفعة لطائرة ورقية تُحلق في الأفق مع سؤال ساذج كـ "كيف يفعلها هؤلاء الأطفال؟!! كيف يصلون بها لهذا الارتفاع والعلو في السماء البعيدة_هم الذين لا يعرفون بعد من صعوبة الحياة أو قسوتها شيئا, ولكنهم قادرين بكل متعة الحياة علي منح البهجة في أسمي آياتها_ ..؟!!

ألتقط أنفاسي بصعوبة .. ما يحدث يُضعفنا حقاً .. حتي التنفس أصبح شبه مستحيل!
....

هذا الصيف يجردنا شيئا فشيئ من كل الأمنيات الشاهقة والآمال البعيدة, ويسلبنا القدرة علي المواصلة أو حتي إدراك ما نفقده منّا ..! يتصل بصيف مضي مليئ بالمودة والقرب .. الصلاة ومصاحبة الصالحين "كما نحسبهم" حتي ولو علي شاشة تبث الأمل من ميدان بعيد .. ويحمل علي أعتابه أدعية ممتدة من الماضي للمستقبل المجهول .. لمن رحلوا .. لمن يسكنون خلف قضبان السجون والمعتقلات .. لمن يسكبون الدموع رغباً ورهباً .. ورجاءاً إلي الله,, يحمله وينثره برداً وسلاماً .. يغطي به الجروح فيحملها علي الرضي بقضاء الله .. ومحاولة البدء من جديد ...
....

كيف للقلوب أن تنصلح؟ وللأرواح أن تطيب بكل هذه الأثقال؟! كيف يمكن أن تهنئ لنا حياة؟! 

....

يارب سلاماً تُطعم به القلوب وترزقها الصبر .. 
أملاً في حياة كالحياة .. وطعماً للنصر نتذوقه قبل اللقاء تحنّ به علي أنفس متعبة وتُطيب خاطرها وترزق به أجيالاُ قادمة رغبة في حمل الرسالة و الدفاع عن القضية .. 
و رحمة .. رحمة تسع الكون بأكمله .. تشملنا .. وتُخبرنا بأننا لا نزال علي الطريق .. 
فقط .. 


الأحد، 2 مارس، 2014

حكايا الليل


استلق علي الأرض, استشعر برودتها تتخلل جسدك وتمُدك بالغذاء اللازم من الألفة والأمان, إلتمس من الأرض الكمال وتخيل أنك جزء منها...


لديك الآن شجرة خضراء مزهرة ومتفاخرة بلون الراحة والطمأنينة تَنبُت أعلي كتفك .. بينما تزدهر عند أطراف يديك أزهار الأوركيد,, ويحيط بكامل جسدك شجيرات و ورود صفراء وأرجوانية وزرقاء .. وينمو نبات اللبلاب اللطيف عند أطراف قدميك ليربطك بالسماء...


استمد من الأرض استقرارك وثباتك, ثم انطلق نحو الأعلي... 

تستطيع الآن أن تري السماء بوضوح أكثر .. شاسعة, جامحة, وعميقة إلي أبعد حد! .. النجوم تُضئ بتألق ونرجسية في بعض الأوقات! لكنها تُشع أكثر بكثير مما اعتدت رؤيته وأنت تنظر إليها نظرات عابرة غير مبالية... 

"وبما أنني استلق فوق سطح منزلنا فستكون _حبال الغسيل_ هي الجسور التي تربط النجوم بعضها ببعض, اعبر بواسطتها من نجمة لأخري محاولة استكشاف هذا العالم الذي ادخله لأول مرة بتلك الصورة" .. عليك أن تتأقلم مع الوضع! 
تبدو بعض النجوم كجزيرة نائية وحيدة في محيط واسع من الظلام .. لكنها ليست ضعيفة مثلنا .. فهي تستمد من الله القوة والنور لتُضئ لأنفسها ولنا الطريق نحو الجنة!
الصورة تتضح بشكل مُبهر حتي علي عيني التي اعتادت رؤية السماء كأنها أمر مُسّلم به في الحياة!.. وكأنها شئ جامد لا يتغير! .. "كم كنت حمقاء!"

لكنها الآن مختلفة .. وجميلة .. تتداخل في الصورة نقاط أخري, نجوم لم تعتقد أنها موجودة .."التركيز علي الصورة يمنحها تفاصيل لم تكن تتخيل أو تعتقد بوجودها" .. وهكذا السماء في تلك الليلة .. نجمات خافتة وبعيدة تتحدث إلي بعضها في صمت مطبق! .. في البداية .. تبدأ في الاعتقاد بأنها حزينة قد أمضّها رؤية المعاناة التي يسببها البشر لبعضهم البعض .. الحروب, الدمار, الخراب, وكل الدماء التي تسيل بلا سبب .. ولهذا فقد آثرت _هذه النوعية من النجوم مرهفة الحس و رقيقة القلب_ الابتعاد بعد أن انهكها طول البكاء والتضرع إلي الله كي تنتهي هذه المعاناة يوما .. ولكنها استسلمت في النهاية للحقيقة المُرّة .. 

"هكذا هي الحياة, وستظل هكذا إلي يوم القيامة!!" ... 

وقد كان اليوم الذي اكتَشَفَت فيه هذه الحقيقة هو اليوم الذي تَمَنّت فيه أن تختفي .. أن تُطل علي الكون من بعيد فقط لتعلم أن النهاية لم تأت بعد .. ولكنها لن تمنح دفء رؤيتها بعد الآن ..إلا لمن يستحق!

لقد انسحبت إلي الأبد .. غير أن طيبَتُها تأبي عليها إلا بعضاً من الأمل تُعطيه بكامل رضاها للبشرية الغارقة في الظلام ... وها هي الآن قابعة خلف ستائر من الغيوم تنتظر بشغف أن تبدأ حياة أخري... 

ستشعر بأنفاسك تصعد وتهبط .. وتُحس بنبضات قلبك تتسارع وكأنه قد أرضاها رؤية السماء مُبتهجة لك .. "ابتسم, فأنت تستحق!".


لا تزال الصورة غير مكتملة... 

لا يزال هناك طائر البوم الذي يبدو أنه من عُشاق الليل وساكنيه الدائمين, يحوم في سعة السماء كـ ملك مُتوج يحتفل بمُلكه الذي يتسع ليلة بعد أخري..

لا تزال هناك كريات من النور تعلن عن نفسها من وقت لآخر .. وأسراب من الطير قادمة من اللاشئ.. ومُتجهة نحوه! .. تسبح في قلق وتُعبر عن غضبها بأزيز لا تعرف له كنه أو مصدر..!


لا تزال هناك تلك القطة التي سكنت إلي جوارك غير عابئة, ولكنها كذلك تجلس علي مسافة بعيدة كفاية للهرب متي لاحت منك أية نية للغدر! .. وهي بسكونها تملأك حنيناً وهدوءاً لا يمكن وصفهما...!!


ولا تزال هذه الجدران البُنيّة المتشققة التي تُخفي وراءها قصص طويلة ومليئة بالهموم والعثرات والأفراح _من وقت لآخر_ .. تدخل بكل حكاياها كادر صورتك من لحظة لأخري لتخبرك أنك لا تظل هنا (علي الأرض)! .. خائفاً وحزيناً..!

ومع هذا تختطفك السماء مرةً أخري بمصابيحها المتلألأة في ليلة غير قمرية لِتُعيدك إلي النور .. وإلي المناجاة!
....

تعود لتتخيل نفسك تقفز بين نجمة وأختها.. تنظر إلي الأرض غير مُبالٍ بما هو آتٍ, أو حتي بما يحدث الآن.. غير مُبالٍ بأي شئ, ومُحتفظاً لنفسك بقدرٍ لا بأس به من الشجاعة للقفز مرة أخري وأخري بين النجوم... واعداً إياها بعدم النظر مرة أخري للأسفل .."نحو الأرض"..! 

....

مع اقتراب النهاية, واستعدادك للرحيل .."من علي السطح طبعا ^_^" .. تقفز مرة أخيرة .. لكنها هذه المرة ليست في اتجاه مُحدد,, وليست نحو نجمة أخري.. بل هذه المرة تقفز بكل قوة الحياة التي تحملها داخلك, وبكل شغف الحلم المتسع إلي اللانهاية,, نحو السماء المفتوحة! 

نحو المجهول, وإلي الأبد. 

السبت، 1 مارس، 2014

رحيل مرة أخري!


تعرف علامات الرحيل حين تراها. تجدها تتخلل الجو من حولك وتملأه بكل ما يدل عليها, كرياح الخماسين السخيفة تلك التي تملأ الهواء بذرات الرمال حتي مع إغلاقك للشبابيك والستائر والأبواب, تجدها تحيط بك برائحتها الباعثة علي الغثيان, وتجد التراب يرقد فوق كرسيك المفضل ومكتبك وسريرك وحتي فوق عدسات نظارتك الطبية العزيزة

ورغم تهربك الدائم منها ومن وجودها إلا أنها تعرف كيف تصطادك, تعرف أماكنك المفضلة التي تحتسي فيها كوب القهوة وتلتقي فيها بالأصدقاء, تعرف مكان عملك, ومنزلك, ومنازل أصدقاءك وأقرباءك .. اللعنة! إنها تعرف كل شئ حقا وكأنها قد أمضت السنوات السابقة في التقصي عنك وانتظار اللحظة المناسبة لتلاحقك أينما ذهبت,,

تجدها بجوارك في السيارة وأمام جهاز الكمبيوتر تراقب حروفك وتسير في إتجاه عكسي بطريق العودة إلي المنزل لتواجهك وتُخرج لك لسانها كي تزعجك بعبقريتها في  التغلب علي كل خططك ورغباتك وحتي أحلامك! حتي إنك لتجدها في المساء راقدة علي سريرك مدعية الجدية لتخبرك أن قلة النوم هي آخر ما يتوجب عليك القلق بشأنه الآن!
تباً! كم تجيد فعل هذا حقا!

تدرك الآن أن الوقت قد حان بالفعل, وأن التأجيل لن يزيد الأمور إلا تعقيدا, وأن عليك أن تتحلي  بالشجاعة المناسبة لمواجهة الحقيقة. الأمر أشبه بـ لعبة _لم تلاحظ انك تمارسها منذ الأزل_ .. أن تحب شيئا ما أو شخصا ما, ترتبط به كثيرا, ,تجمعكم المحاضرات والرحلات و"الفُسح" والكافيه والانترنت و ... كل شئ .. ثم, شئ ما يحدث, فجأة و دون سابق إنذار تتغير نظرتك للعالم, تدرك أنك لم تعد تراه كما السابق, تدرك أنك لم تعد تُفضل نفس الأشياء, نفس أماكن الخروج التي تقضي فيها أمتع الاوقات, شئ ما يتغير بداخلك ويكون كافيا _تماما_ ليتغير عالمك كله وينقلب رأسا علي عقب!

الرحلة بأكملها أصبحت علي استعداد تام لتغيير المسار وإتخاذ إجراءات جديدة كي تُفسح مكانا لهذه التعديلات التي طرأت علي الساحة! وأصبحت "أنت" مُهيأ لما هو قادم بكل تعقيداته التي يزيدها سوءاً نظرات الجميع التي تخبرك كم أنت أناني وحقير لتتخذ مثل هذه القرارات بالابتعاد وحدك و دون الرجوع إليهم؟!!

لكنك لم تعد قادرا علي التحدث, أو توضيح الأمور, لم يعد بداخلك متسع لكل هذا الجدال العقيم, لقد وجد العالم طريقه مرة اخري ليملأك!
تترك الجميع لظنونهم, وتُبحر مرة اخري. نحو المجهول. 

الثلاثاء، 25 فبراير، 2014

#هري


"أمل دنقل" مش فاهمني خالص!

مع قراءة الأعمال الكاملة لـ أمل دنقل حسيت أني عايزة ألغي من خطتي كورس الإنجليزي و احط مكانة مجموعة كورسات "اللغة العربية الفصحي, مفردات ومعاني" .._ده اسم الكورس اللي تخيلته_ .. 

تقريبا مكنتش فاهمة نص القصائد وأغلبية الكلمات .. صحيح أن اللمحات البسيطة اللي فهمتها _واللي حسيت معاها أني وصلت لقمة التنوير الثقافي اللي ممكن اوصلها في قراية قصايده_ كانت رائعة وحسيت فعلا بجمال اللغة والقدرة علي الوصول للمعني ده بالكلمات دي .. "ياااااااه .. هو في كده؟!!" .. زي ما بقول لنفسي لما بفهم :) ..

بس ده لا يمنع أني كنت حاسة أن في أزمة شخصية معاه هو شخصيا _أمل دنقل_ مش بس مع الكلمات .. وخاصة مع احتمالية أنه يكون قريبي من بعيد نظرا للتشابه في أسم العيلة "دنقل" و كمان في أصل العيلة في مدينة "قفط" بالقرب من قنا.. و صلة القرابة دي لو حقيقية ساعتها بس ممكن افهم ميولي الكتابية نظرا لعدم وجود حد في عائلتي الموقرة له مثل هذه الميول العظيمة... 

ربنا يستر.
....#

نصيحة:

متتفرجش أبدا أبد أبدااااااااا علي فيلم متاخد من رواية أو كتاب بعد ما تقرأ الرواية أو الكتاب .. أبدااااااااااااااا .. الكلمة الوحيدة المُعيرة عن الإحساس ده هو "يعععععععععععععععع"!

خد علي سبيل المثال كتاب "طعام, صلاة, حب" .. صدمتي بعد ما قريت الكتاب وحاولت اتفرج ع الفيلم كانت بشعة .. بغض النظر عن التفاصيل الكتير المُهمَلة وتغيير بعض أحداث القصة .. لكن القَشة التي قصمت ظهر البعير كانت في الانفعالات اللي ظهرت من الممثلين في المواقف المختلفة .. طبعا مع قراية الكتاب بتتخيل انفعالات معينة و ردود أفعل علي مواقف مؤثرة في مجري الأحداث .. لكن في الفيلم حسيت أن الممثلين ليسوا علي القدر من الاحترافية اللي يوصلك الإحساس بردود الأفعال دي ومدي تأثيرها في شخصية البطلة وفي أحداث القصة نفسها.. الوضع مزري تماما وخصوصا لو قراية الرواية أثرت فيك بشكل شخصي زي حالاتي.. 

اللهم بلغت... 
بس كده.  
....#

أرجو أن أتمكن في يوم ما من الكتابة مثل "إليف شافاق" .. هذا المزج الرائع للألوان في ثنايا الحديث.. القواعد الدائمة والمرتبطة بكل شئ, الحياة بكل ما يوازيها من مواقف ومشاعر وأفعال,, أرجو أن استطيع محاكاة جزءا من روعة حديثها و تدفقه كالأنهار .. هادئاً, عزباً, ومليئاً بالحكمة .. 


أن أستطيع يوما ما أن أجوب العالم بحثاً عن الكلمة .. "الكلمة المُعبرة" .. التي تختصر أحوال البلاد و العباد .. والتي تسطر بين أروقة الصفحات قصص المعاناة والتضحيات والحب .. 


أن تنسال الحروف باعثة علي الطمأنينة ومُثيرة في النفس حنيناً إلي السفر والتجربة .. ميالة إلي الرفق والعطف .. ومليئة بالأمل رغم مصاعب الطريق وقلة سالكيه...


فقط لا غير.


الخميس، 20 فبراير، 2014

أميمة *


كانت رائحة الدخان المنبعثة من ملابسه تجعلها ترغب في التقيؤ ..! تتمني حقاً لو كان بإستطاعتها في تلك اللحظة أن تترك كل شئ و تذهب بعيداً .. إلي آخر الأرض .. حيث لا يتواجد "هو" أبداً ..!

كانت تَمقُته حقاً .. لم تكتشف هذا سوي وهي تلتقط تلك الرائحة العفنة من ملابسه لتعلق بملابسها .. يدخل غرفته .. يُبدّل ملابسه .. و يعطيها إياها لتغسلها ..! أي أحمق يفعل هذا ؟؟! تتساءل بتعجب ولكن بصمت أيضاً .. و كأن الماء والصابون كافيين ليجعلا الرائحة تزول ؟!! لم يكن يفهم هذه المعادلة أبداً ..

كان يأتي من الخارج .. يدخل غرفته مسرعاً .. قبل أن تلاحظ هي هذه الرائحة التي _و لجهله كما 
تعتقد هي_ لا يعرف بأنها تملأ أرجاء المكان بمجرد دخوله ..!
تتمتم في سِرّها: ربما يجب أن تغسلها بنفسك إن أردت بالفعل أن تُخفي أثرها" ..! ولم تستوعب أبدا, لِمَ يتكبد العناء بالدخول سريعاً و تغيير الملابس كذلك .. بل وحتي هذا "الدُشّ" الذي يأخذه بمجرد وصوله كل يوم حتي في أيام الشتاء الباردة ؟!!
تتساءل: أهو "غشيم" إلي تلك الدرجة ؟!! أو أنه نوع من الغباء الذكوري الذي لن تفهمه يوماً ؟؟!

لم تكن الإجابة تُشكل فارقاً بأية حال .. المهم حقاً أنها _و في كل مرة تنسّل تلك الرائحة لتتخلل أنفها وتنفذ إلي أعماقها_ كانت تشعر بالتقزز منه .. كان الأمر يفوق قدرتها علي التحمل .. أو الصبر .. ولم يكن "هو" علي دراية بكل هذه المشاعر التي تنتابها .. وكان هذا كافياً ليثير حنقها .. كانت تتساءل بغيظ: كيف لا ينتبه لنظراتها التي تملأ المكان اشتعالاً و غضباً ؟!! أو لتَغيُر ملامحها في كل مرة ؟؟؟ أو لهذه اللامبالاة التي أصبحت سمتها الغالبة في كل شئ يتعلق به ...؟!
كيف لا ينتبه إلي أنها ببساطة .. لم تَعُد تهتم؟؟ بل الأسوأ ... أصبحت تبغضه!! بصراحة و وضوح شديدين ...!

كانت كل هذه الأسئلة تتناوب في الظهور فلا تترك لها الفرصة لإعادة التفكير في أي شئ .. أو حتي لـ تبنّي الأمر من وجهة نظره و معرفة السبب وراء كل هذا ..؟!
لكن .. و لمعرفتها بأن الإجابة لن تُحدث أي تغيير في نظرتها له أو في مشاعرها تجاهه, فقد أعطت لنفسها إذناً _غير مُعلن_ بأن "تكرههه" للنهاية!!!
وأن تفعل هذا بمنتهي الشفافية .. حتي تُغلق علي نفسها _و عليه_ أي طريق للعودة مرة أخري ..
كان القرار نهائياً .. و صادقاً !

...
  ..: أميمة*
شخصية حقيقية تماماً .. من واقع الحياة التي أحياها .. باختلاف الأسماء و المواقف التي عايشتُ "أنا" من خلالها القصة اقتراباً وبُعداً سواء عن الأحداث أو عن الشخصيات نفسها .. و لكنها حقيقية .. 

 أحببت أن أقول أنها تحيا بيننا في كل لحظة .. قد تكون تلك الفتاة التي تمر بجوارنا في الطريق .. أو أمي التي نُقابلها في وسائل المواصلات .. و رغم اختلاف ملامحها .. إلا أنها تحمل دائماً قصة لـ تُخبرها .. قصة تتلوها تجاعيد الوجه و حزنه الصادقين .. أو قد تكون "أنا" مُتخفية في ثوبها الوردي المتطاير مع نسمات الربيع القادم بالمجهول .. لكنها "للتأكيد" لن تحمل سوي الحقيقة و الواقع .. دائماً و أبداً.

أحببت أن أنقل جزءاً بسيطاً من واقع أعيشه .. أحياناً برغبتي و كثيراً ما أُضطر لمعايشته تبعاً للظرف القائم .. لكنه سبباً أساسياً في تكويني و في "تشكيل" تلك الفتاة التي أنا عليها الآن ..

و للأمانة .. يظل لهذه القصص _دائماً وأبداً_ وجه آخر لا أعلم عنه شيئاً .. و ربما سـ يَظلُ كذلك حتي النهاية.

إلي لقاء. 

الجمعة، 31 يناير، 2014

مما لا افهم !


تقول الأسطورة أن هؤلاء الذين نهتم لأمرهم كثيرا, هم في العادة من يسببون لنا الألم أكثر !؟؟
و في حين تبدو المعادلة غير دقيقة أو حتي غير صحيحة إلا أنها و بطريقة ما تجد سبيلها لبلوغ قمة حياتنا و تتعمق حتي تصل لأشد علاقتنا تعقيدا و استمرارا لتُثبت في النهاية أنها موجودة بشكل كبير ,, و حقيقية جدا !
فــ لننظر للأمر بطريقة أخري ..
تقول الأسطورة أيضا أن " من تضعهم فوق مكانتهم _التي يستحقونها حقا_ سيضعونك بالتالي في مكانة أقل مما تستحق بكثير" ... أو هكذا أتذكر و أفهم.
و في هذه نجد المعادلة أكثر منطقية .. عامل الناس بما يستحقون . لا أكثر, لا أقل .. فقط ضع كل إنسان بمكانه الصحيح .. أو بمنتهي الدقة ...
( لا تُبـــــــالغ )!

لا تبالغ في الحب, لا تبالغ في الكراهية, لا تبالغ في الحكم علي الناس أو في بناء قاعدة مسبقة _يرتكز وجودهم بحياتك عليها_ اعتمادا علي مُعاملات سطحية أو تجارب سابقة ..
لا تبالغ.
كن واقعيا ..
كن إنساناً ..!

و الحقيقة أن الامور في الحياة لا تسير بهذه الطريقة .. الحياة سريعة, مُرتّبة بطريقة نجهلها ,, و غير منطقية تماما ..!
أو هكذا نتخيل ..
إن أكثر الأفعال _الغير منطقية_ علي الإطلاق والتي لا يمكننا تفسيرها هي في الواقع أعمق وأكثر ترابطا و منطقية و واقعية .. و جمالا !!!
و إن نظرتنا السطحية "القاصرة" في أغلب الأوقات _إن لم تكن كلها_ عن تدارك (الحكمة) في أقدار الله هي السبب الأول و الأهم في جعل الحياة معقدة, مملة ,, و عديمة النفع ...
...
أكاد أجزم أننا كــ بشر لا نستحق علي الإطلاق حياة بشرية طبيعية كتلك التي منحنا إياها الخالق .. تبدو كلمة "غابة" هي أقل ما يمكن لــ وصف حياتنا ..
و لكن بالتأكيد للخالق حكمة نجهلها ..
...
"الطبطبة" هي فعل إلهي محض .. يهبها في أوقات عصيبة كــ تلك التي نحياها .. ربما لننظر فــ نجد أنه لا يزال هناك سبب يستحق من أجله أن نستكمل الطريق للنهاية ... هكذا اعتقد ..
أو كما تقول الأسطورة ...
" جبر الخواطر علي الله " ...

وجهة نظر فردية بحتة.


السبت، 18 يناير، 2014

رحلتي ...


تركيا .. 

ستكون أول محطة من محطات سفري للخارج .. و باستثناء العمل بالطبع فستكون هي بالتأكيد أول رحلاتي للعالم الذي لا اعرف عنه شيئا خارج حدود الوطن "الاسماعيلية , مصر" .. 
أريد أن أري اسطانبول .. أريد أن أري كل هذا الاختلاف و التتابع اللامتناهي لتاريخ هذه المدينة الحزينة _في نظري_ .. أريد أن أمُعن النظر في عيون أهلها .. و أتوغل في اعماقهم بعيدا عن الروايات .. بعيدا عن إليف* العزيزة .. بعيدا عن السياسة .. بعيدا عن كل شئ .. أريد ان أراها بعينين جديدتين تماما .. عيني قلبي فقط .. 
و بالتأكيد أريد أن أري "قونيه" .. لا اعرف بعد ألا يزال هذا اسمها و لا اعرف حتي إذا كانت لا تزال في تركيا أم أن التاريخ و الحروب والصراعات قد قذفا بها لدولة أخري .. غير أني أرغب بشدة أن اتحدث إلي الرومي في موطنه .. بعيدا عن كل البشر و الشعر و الألم .. أرغب أن أبوح له بكل ما يعتمر في القلب و استمع لجوابه .. استمع لما كانت قد قد تقوله شمسه التبريزية في مثل هذه الحالة المعقدة ... و ربما أرشدني هو إليه .. إلي المكان الذي يرقد فيه هذا الدرويش المتجول الغريب الأطوار** .. !
.. 

روما .. (إيطاليا) 

محطتي الثانية .. لن أُضللكم .. فكل ما أريده من هذه المدينة هو البيتزاا و الآيس كريم .. بكل الأنواع و  الأشكال و النكهات .. الأكل ثم الأكل ثم الأكل ... 
فقط لا غير .. و ليذهب العالم للجحيم بسلام ! 
..

تونس والمغرب ..

في المحطة الثالثة سأعود للوطن .. سأرحل مع شواطئ المتوسط و أغوص بأعماقه .. سأحكي واستمع .. و ربما أقضي أغلب الوقت في التأمل و الصمت .. الصمت التااااام .. سأري التاريخ حاضرا مُشمسا في رمال شواطئ هذي البلاد القريبة البعيدة .. سأعود فيها لنفسي .. و أغوص بأعماقها كي أجد ما ابحث عنه و لا اعرفه حتي الآن .. يبدو هذا أقرب إلي أحجية منه إلي رحلة .. لكني سأكتفي بالغموض حتي أري الشاطئ .. و بعدها .. سأبوح بكل شئ راضية و مستمتعة و فرحة .. بكل ما للكلمات من معان و مشاعر ...!
.. 

لندن .. (بريطانيا) 

ليس هناك سبب محدد لرغبتي في رؤية هذه المدينة البعيدة .. لكني أحبها .. هكذا دون أي رغبة في اكتشاف حقيقة هذا الحب .. فقط أحبها كما هي وأود رؤيتها بشدة .. ربما سأتطلع منها لأري الغرب بصورته القاسية و المليئة بالحروب و الدماء و الطرق الملتوية .. لكنني اشعر من داخلي أن "لندن" لا تحمل للعالم سوي الهدوء والابتسام .. هدوء بسيط و مؤثر و محبب للنفس .. كيف عرفت كل هذا ...؟؟؟ 
حقيقة .. لن اتعب نفسي بالإجابة علي مثل هذا السؤال .. فلن اكتشف الإجابة بأية حال سوي عند أول نظرة تنطلق في سماء هذا الغرب الشاسع و الملئ بالأسرار .. 
.. 

جنوب أفريقيا .. 

أُعجب بفكرة الامتداد .. الحدود الزائلة و الأفق المفتوح بلا نهاية ,, هكذا أري أفريقيا .. هي الامتداد الغير منتهي لحدودنا _التي لا اعترف بها_ .. هي هذا البراح الذي يمتد مع أشعة الشمس إلي الجنة .. جنة الأرض .. هي إحساس بالتكامل .. التكامل البشري في أبهي صوره .. تكامل الأبيض والأسود .. الشمس و القمر .. النور والظلام .. الليل والنهار .. الحب والكراهية .. الألم والراحة .. هكذا اشعر بهذا الامتداد الأفريقي .. هو اكتمال للصورة .. وضوح و صراحة .. و بهجة ..!
.. 

الأفكار مفتوحة بعد هذا لأي جديد سيظهر في الأفق .. غير أن الرغبة برؤية الثلج تملأ كياني .. أذوب فيها تماما .. لهذا ربما سأذهب لــ جرينلاند .. أو ربما القطب الجنوبي .. لن يهم .. أي مكان يحمل اللون الأبيض كلون رسمي سيكون كافيا تماما .. 


..... ^_^


_______


* إليف شافاق هي مؤلفة رواية قواعد العشق الأربعون 

** شمس التبريزي هو "برأيي الشخصي" بطل قواعد العشق الأربعون السابقة الذكر .. انصح بالقراءة ^_^ في تلك الحالة 

الجمعة، 17 يناير، 2014

هُلاميـات !



الحياة بأكملها ضيقة يا صديقي .. لا مكان فيها لأرواح عابثة تبحث عن الله بين ضحكات أطفال الشارع و نساءه المغتربات عن الحياة في أدغاله المعبّدة بالشوك .. تبحث عن نفسها في شواطئ المغرب أو علي الحدود التركية مع سوريا .. أو حتي بين أكوام 
الزبالة في بلدها بجوار عجوز لا يجد ما يأكل ..

أوراح تهزمها النظرة .. و تملأها الفرحة بمقطوعة موسيقية مُهداة من غريب علي شرف صباح مُقبل من الغيب .. و تذوب كــ غزل البنات مع كلمات الرافعي و قواعد التبريزي الأربعين للعشق ..
أرواح مجهدة من هول ما تري من دماء ونكبات .. يحول بينها و بين الاستسلام  .. ابتسامة و سر ..!

ابتسامة متلألأة تنبعث من جانب الطريق يتبادلها مجهولان يسيران في أرض الله لم يجمعهم سوي إشارة وقوف و إلتفاتة عابرة ... محض صدفة جعلت .. أحدهم يلتفت .. فيبتسم الآخر .. فيُضئ في الحياة قنديلا من الأمل .. فــ تهون اللحظة .. تخف حدة الصراع الدائر في العمق لتطفو علي السطح علامات الرضا ... و أناشيد الانتصار ...!
و .. سر خفي لا يدركه سوي قلبان يتبادلان أسرار العشق و السكينة .. يعلم كل منهما مكنون صدر الآخر .. فــ يضحي الكون بأكمله أغنية هادئة مُتعاطفة .. و مُحبة ..!

الحياة تضيق .. غير أن الأعماق بداخل أرواحنا تتسع لتجرف كل زبد الحياة الفانية ... وتبقي الجنة في أبهي صورها عالقة في الأذهان ,,, يبقي الحلم ,, و غاية برؤية النهاية .. نهاية الظلم الذي عمّ أركان الأرض .. نهاية الظالمين الذين استباحوا الحُرمات .. و نهاية الكلام .. !! لــ يحلّ الصمت ضيفا عزيزا .. و زائرا مُرحب به متي أتي .. و تأخذ النظرات مجراها لتبوح بخفايا الصدور ..

ينتصر الحب في النهاية .