السبت، 1 مارس، 2014

رحيل مرة أخري!


تعرف علامات الرحيل حين تراها. تجدها تتخلل الجو من حولك وتملأه بكل ما يدل عليها, كرياح الخماسين السخيفة تلك التي تملأ الهواء بذرات الرمال حتي مع إغلاقك للشبابيك والستائر والأبواب, تجدها تحيط بك برائحتها الباعثة علي الغثيان, وتجد التراب يرقد فوق كرسيك المفضل ومكتبك وسريرك وحتي فوق عدسات نظارتك الطبية العزيزة

ورغم تهربك الدائم منها ومن وجودها إلا أنها تعرف كيف تصطادك, تعرف أماكنك المفضلة التي تحتسي فيها كوب القهوة وتلتقي فيها بالأصدقاء, تعرف مكان عملك, ومنزلك, ومنازل أصدقاءك وأقرباءك .. اللعنة! إنها تعرف كل شئ حقا وكأنها قد أمضت السنوات السابقة في التقصي عنك وانتظار اللحظة المناسبة لتلاحقك أينما ذهبت,,

تجدها بجوارك في السيارة وأمام جهاز الكمبيوتر تراقب حروفك وتسير في إتجاه عكسي بطريق العودة إلي المنزل لتواجهك وتُخرج لك لسانها كي تزعجك بعبقريتها في  التغلب علي كل خططك ورغباتك وحتي أحلامك! حتي إنك لتجدها في المساء راقدة علي سريرك مدعية الجدية لتخبرك أن قلة النوم هي آخر ما يتوجب عليك القلق بشأنه الآن!
تباً! كم تجيد فعل هذا حقا!

تدرك الآن أن الوقت قد حان بالفعل, وأن التأجيل لن يزيد الأمور إلا تعقيدا, وأن عليك أن تتحلي  بالشجاعة المناسبة لمواجهة الحقيقة. الأمر أشبه بـ لعبة _لم تلاحظ انك تمارسها منذ الأزل_ .. أن تحب شيئا ما أو شخصا ما, ترتبط به كثيرا, ,تجمعكم المحاضرات والرحلات و"الفُسح" والكافيه والانترنت و ... كل شئ .. ثم, شئ ما يحدث, فجأة و دون سابق إنذار تتغير نظرتك للعالم, تدرك أنك لم تعد تراه كما السابق, تدرك أنك لم تعد تُفضل نفس الأشياء, نفس أماكن الخروج التي تقضي فيها أمتع الاوقات, شئ ما يتغير بداخلك ويكون كافيا _تماما_ ليتغير عالمك كله وينقلب رأسا علي عقب!

الرحلة بأكملها أصبحت علي استعداد تام لتغيير المسار وإتخاذ إجراءات جديدة كي تُفسح مكانا لهذه التعديلات التي طرأت علي الساحة! وأصبحت "أنت" مُهيأ لما هو قادم بكل تعقيداته التي يزيدها سوءاً نظرات الجميع التي تخبرك كم أنت أناني وحقير لتتخذ مثل هذه القرارات بالابتعاد وحدك و دون الرجوع إليهم؟!!

لكنك لم تعد قادرا علي التحدث, أو توضيح الأمور, لم يعد بداخلك متسع لكل هذا الجدال العقيم, لقد وجد العالم طريقه مرة اخري ليملأك!
تترك الجميع لظنونهم, وتُبحر مرة اخري. نحو المجهول. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق