الاثنين، 11 أغسطس، 2014

علي هذه الأرض ما يستحق الحياة! *


( أمر محير وغريب, كل العودات تتم ليلاً, وكذلك الأعراس والهموم واللذة والاعتقالات والوفيات وأروع المباهج. الليل أطروحة النقائض.)


كذلك تَعلمتُ بالأمس, و وجدت مريد يكررها اليوم.. "كل العودات تتم ليلاً" .. الشفاء من الجروح, الراحة, والطمأنينة  في مناجاة الله, الرحلات الطويلة التي دائماً ما تنتهي ليلاً, كلمات المُحبين, مُلَخصُ التجارب وتقييمات النتائج, الصلاة الرائقة البعيدة عن الزيف و زحمة الأفكار والخواطر ... ثم النوم الطويل الهادئ .. كل العودات تتم ليلاً .. النهايات تحب الليل .. والكلمات كذلك.

( نجحت إسرائيل في نزع القداسة عن قضية فلسطين, لتتحول كما هي الآن, مجرد "إجراءات" و "جداول زمنية" لا يحترمها عادة إلا الطرف الأضعف في الصراع. ولكن هل بقي للغريب عن مكانه إلا هذا النوع من الحب الغيابي؟ هل بقي له إلا التشبث بالأغنية مهما بدا له هذا التشبث مضحكاً أو مكلفاً؟ )

وهكذا يحدث هاهنا, وفي كل الأماكن المحتلة, التحول من الانتماء للمكان, للزمان, للذكريات والحكايات المجسدة, الناطقة, والبديهية في تلاقي مرادفاتها وتجانس معانيها للجميع .. الاحتلال يحول كل هذا إلي ذكريات بعيدة, ثم يبذل جهده ليقنعك أنها ستظل كذلك للأبد! ..

( الاحتلال الطويل استطاع أن يحولنا من أبناء فلسطين إلي أبناء "فكرة فلسطين". )

وماذا يفعل هؤلاء الراحلون من الصراعات والقتل والخراب الذي لا يترك باباً إلا ويطرقه, عمداً أو سهواً .. ماذا يفعل أبناءنا الذين قطعنا علي أنفسنا وعداً بأننا لن ندعهم فريسة للدماء والنكبات .. ماذا نفعل نحن الذين نبذل أقصي جهدنا للرحيل .. الرحيل التام والنهائي؟؟!
الذكريات التي لدينا حية لا تزال .. ماذا تفعل بها الغربة ؟؟
الغربة التي تُحَوُل الذكريات لصور ثابتة, تُخفي منها الحياة, تجعلها هباءاً منثوراً, بلا روح, بلا عاطفة إلا لهؤلاء الذين عاشوها وبذلوا فيها الضحك والبكاء, تراشق الزهور والقفز علي الأسوار وتعاطي المعاني كالهواء شهيقاً وزفيراً مع كل لحظة متبقية من حياة أصحابها .. الغربة هي هذا الموت البطئ لكل ما هو مقدس .. لكل إيمان متبقٍ بأننا نتنمي لهذه الأرض وتلك الحياة .. لكل أمل باق و وعد مُؤجل بالنصر.

( وماذا تفعل أجيال كاملة ولدت في الغربة أصلاً؟ ولا تعرف حتي القليل الذي عرفه جيلي من فلسطين؟!  )
......

( ستتخذ اهتزازات الماضي مداها إلي أن تهدأ وتسكن وتجد لها شكلها الذي تستقر عليه .. هذا يحتاج إلي البطء الساحر. البطء العزيز .. الذي يجعل الشعور بالراحة والسكينة يتغلغل علي مهله فينا .. فهذه الأحاسيس لا تتشكل دفعةً واحدة, ولا بطريقةٍ مباغتة, البطء الذي يوصلنا إلي تلقائية تعّوُد الجديد .. إلي اعتباره طبيعة الأمور وأصلها الأول .. وهذا يتطلب أن نعيشه بكثافة, وبكثرة. وعلي مهل. إننا نتعلم ذلك. )

اليوم رأيت كلمات عن المنسيين في سجون الاحتلال بمصر. نحن ننسي القضية! .. نحن ننشغل, ونترك الحياة لتأخذ مجراها الطبيعي في سير الأمور كما هي, نحن نهرب بأقصي طاقتنا بعيداً عما يسلب أرواحنا المهلكة أصلاً .. نحن نسرق لحظات للفرحة عبثاً من وسط ما يحدث ونُهَولّها وننفخ فيها لكي تبقي, لثوانٍ معدودة نحاول فيها أن نلتقط أنفاسنا من جديد لنكمل السير, فقط لنقوَ علي السير, ليس تحقيق الأحلام, ليس البحث عن الأهداف العظيمة والحياة الخالدة والإنجازات التي لا تهتز ذكرياتها في قلوب من سيكملون الطريق بعدنا .. فقط السير!! التعكز علي بقايا الروح, ثم الدعاء والبكاء الطويل ..

نحن ننسي!!
نفقد اهتمامنا "بل شغفنا" بالقضية, بالأرض و الوطن, نحاول تعريف الانتماء من جديد ليكون لكل مكان نستيطع في الحياة دون أن نُقتل فقط لأننا نخبر برأينا في طعم القهوة وإمكانية السير في الطريق .. نحاول تعريف إيماننا ليشمل كل معني للفرح والحرية خارج إطار الإرهاب والترويع والموت البطئ ..
نحن نتمادي في النسيان, في التغاضي عن صور الموتي وأشلاء الإخوة التي يجمعها الدين والدم ..

لا أريد أن أنسي!
رغم صعوبة الحياة, رغم صعوبة التنفس, المقاومة, الفرح, وحتي البقاء! .. لا أريد أن أنسي .. لا الأرض, لا المقدسات, ولا الأهل .. الأحياء منهم والموتي ..
القضية .. العودة .. القدس .. الأمة .. قطرات الماء .. طعم الذكريات .. أحاديث الأحبة .. وجمال الحرية و الفرح و الضحك ..
لا أريد أن أنسي المفردات !!
و لكن .. ماذا نملك أن نفعل للبقاء؟!

 "وخوف الطغاة من الأغنيات"*
هذه هي الإجابة الوحيدة التي أملكها الآن, هي إجابتي, هي سبيلي للمقاومة, والبقاء.. هي سلاحي في وجه كل أنواع الاحتلال والخوف الذي يعصف بالحياة .. بحياتي!
"الكلمة المكتوبة" هي سلاحي.


.......
* كلمات محمود درويش.
(..) كل ما بين هذه الأقواس من كتاب "رأيت رام الله" لـ مريد البرغوثي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق