الجمعة، 17 أكتوبر، 2014

في الشتاء تصبحُ رائحة البحر مجدًا أبديـًا ...


بينما يدخل الخريف علي استحياء رافعـًا قبعته ومستمسكـًا بصفرة الشمس مع بهاء نسائم صيفٍ هادئة, يقتحم الشتاء البيوت والأجساد دون استئذان .. تستشعر وجوده في السماء الرمادية الملبدة بغيوم الخير المُقبل والهواء الخفيف و رذاذ المطر المُسّتحب ...

الشتاء لا يقرع الأبواب, هو  يحتضنك هكذا علي غفلة منك , دون استثناء أو خجل ... يتلمس فيك مواطن الدفء ... نعم .. حتي الشتاء يبحث عن الدفء .. قوانين الطبيعة لا تتغير .. البارد يستمد الحرارة والبقاء من الدافئ دائمـًا .. ويظل البقاء لمن يستطيع المقاومة والصمود للنهاية أيـًا كانت .
....

البرد إحساس داخليّ .. "البرد بيكون من جوانا" .. هكذا قالها لي ذات مرة .
البرد يأتي من العلاقات المُعطّلة الجامدة .. من الصداقات المتفرقة في بلاد الله .. من الأهل الذين لا تجمعهم موائد الإفطار أو حتي مراسم العزاء .. من الحب الضائع .. والأحلام التائهة .
يتغذي علي كل طيبٍ وجميل فينا .. يلتهمه ويُعيده إلينا خوفـًا وهروبـًا و قشعريرة في الجسد لا تهدأ حتي نتهاوى .
الإحساس بالبرد يأتي من ضعفنا نحن .
....

بينما الدفء يُستمد من كل قيمة حقيقة موجودة بحياتنا ... من اللقاءات العائلية الصاخبة حول طعام الغداء .. من الصحبة "علي القهوة" ينشد كل عضو فيها قصة أخري عن اللاشئ .. أو عن كل شئ حول صاحبها .
الدفء ينبع من لقاء الأحبة .. من ( العناقات ) الطويلة التي تتكفل بقول ما لا نستطيع إخباره عن مدي الاشتياق والود والطمأنينة بداخلنا لهؤلاء الذين يحتلون أعماقنا عن رضىّ تام .. "البرد لا يتحمل أبدًا قوة عناقٍ حارٍ تسري رعشته بين أطرافه باقية و حاضرة بأرواحها فينا" .

الدفء يبقى مع صوت فيروز  , رائحة القهوة , البطاطا المشوية .. و الأحاديث حول نيران الليل ... ويستمد كينونته من المنشاوي يُعيد إلينا المعني الحقيقي لجوار الله .. من الحنين للبحر  وللأمنيات البعيدة .. من عرق العمل الطويل في سبيل حلم مشرق في القلب فقط .. من أدعية الفجر وقرآن المغرب و ابتهالات النقشبندي ونصر الدين طوبار تأخذ بأيدينا إلي الله .
....


الشتاء قاسٍ حقـًا علي هؤلاء الذين لا يملكون ملاذًا آمنـًا .. أو "حضنـًا" يتسع لكل هذا الصقيع في ذرات الهواء  و في الأنفس الخاوية .

.......

* هذا المقال تم نشره بموقع نضّارة بتاريخ 7/10/2014 : www.nddara.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق