الأحد، 23 نوفمبر، 2014

عبث..


نجلس أنا وهي في ركن واسع من المساحات الخضراء التي تتسم بها الإسماعيلية, نتبادل أطراف الحديث في هدوء واطمئنان.. نضحك تارة, ونسرح تارة في سبيل إيجاد كلمات عجز اللسان عن إطلاقها فلاذت بالصمت كملجأ أخير و مضمون..
ذلك الحديث الطيب عن كل شيء, ببساطة وسعة صدر و ود أعجز عن التعبير عنه..
كانت تبكي.. حاولت جاهدة تجنب أية حوارات تُثير العاطفة المُهددة وتعجز عن إخماد ثورتها, لكن الكلمات كالعادة كانت أسرع مني إلي إعلان الحرب.. والفوز في سخرية واستهتار.. لم أفعل سوى أن ضممتها إلي بصمت كذلك.. هنا بدأ الحزن !

بصمت وبرود أشبه إلي تلك الأفعال الديناميكية التي تنطلق دون حاجة لأخذ الإذن من عقلنا الباطن .. تلك الردود التي تعودنا عليها .. كانت الضمّة باردة.. و جافة .. وغير صادقة علي الإطلاق .. لم أفلح في إخفاء ارتباكي فلُذت بالصمت كبديل أخير أعرف أنه مُجدٍ تمامًا..

اتذكر الآن وأنا اكتب تلك الكلمات التي بادرت كيري راسل إلي كتابتها لطفلتها التي لم تر النور بعد في فيلم Waitress.. "وأرجو أن أكون تذكرت اسم البطلة جيدًا".. المهم أنها كتبت "علي حد علم ذاكرتي الضعيفة":

( أرجو أن تجد من يضمك 20 دقيقة كاملة دون أن يرغب بشيء آخر سوى ذلك ) .. أو..


Dear Baby, I hope someday somebody wants to hold you for 20 minutes straight and that's all they do. They don't pull away. They don't look at your face. They don't try to kiss you. All they do is wrap you up in their arms and hold on tight, without an ounce of selfishness to it

وجدتني فجأة في مواجهة مع تلك القابعة بداخلي لتُخبرني دائمًا أن شيئًا ما ليس علي ما يرام.. وكأني لا أعرف هذا !

لملمت أطراف الحديث بعبارات مُبهمة تتحدث عن الصبر أو الشكر أو شيئا ما لا أتذكره.. أنهيت اليوم علي خير مُقارنة بما كان يحدث مُسبقًا.. و عُدت لبيتي لأجدني في مواجهة أخري مع تلك الأكثر تعقيدًا بداخلي والتي تُخبرني أن العودة هذه المرة لم تمثل بداية لحل لُغز الدائرة التي أتهاوى فيها منذ سنوات طويلة عاجزةً ومُنهكة و غير قادرة علي فعل أي شيء سوى الشكوى المصَاحبة بالكثير من العصبية و التقلبات الحادة في أفعالي المُتضادة أصلًا من دون الحاجة لوجود ما يدفعها لهذا !
و هنا بدأ الغضب !

الغضب الذي يشتعل منذ سنوات كذلك في محاولة جادة لإيجاد ما يُحرقه, ولأنه فشل تمامًا في فعل هذا فقرر بمحض إرادتي الشخصية أن يأكلني من الداخل برويّة وثقة بأن شيئًا أو أحدًا لن يُعيقه عن أداء مهمته بنجاح تام حتي النهاية ... 

منذ قليل أخبرني شخص مُقرّب أنه "لولا بعض الإيمان اللي باقي, لو مكنش في حد واقف في ضهري كان زماني منهم" .. في إشارة إلي سلسلة "المنتحرين" التي بدأت في العمل بجودة وقدرة لا أتوقع معها أن تتوقف قريبًا ...
وهنا توقف كل شيء عن العمل !

تبدو كل التعبيرات عن مدي قسوتنا أو حقارتنا أو استحقاقنا لما نحن فيه هزلية تمامًا عندما تبحث بلمح البصر عن هذه الذي "يقف في ضهرك" فلا تجد سوى علامة تعجب كبرى ترتسم فوق رأسك بتعالي وتحدّ كافيين تمامًا لاستنفاذ كل ما تبقى بداخلك من طاقة كنت تحاول إدخارها منذ أسابيع لتلك اللحظة علي أمل أنها ستُفلح.. أنك ستُفلح في التصدي لها .. وحدك ... حينها تكتشف أن كل محاولاتك لإقناع نفسك بأنك قادر علي المُضي في كل هذا دون الحاجة للفضفضة أو لحضن كبير يتسع لكل أحزانك أو حتي للضحك قليلًا في غمرة وجود هؤلاء الذين تشعر معهم بالأمان التام لتنام بهدوء وأنت تعرف أنك في بيتك حتي لو كنتم في أحضان الشارع المتسع نحو السماء... كل هذا باء بالفشل أمام أول اختبار "لفظي" من قريب علي بُعد كيلومترات منك يتحدث في عبثية تامة في مُحاولة منه لإخفاء أنه لم يعد يحتمل كل هذا العبث !!

يظهر فيلم Waitress بكل أحلامك الطائشة التي تبنيها مع أحداثه ك.. حلم.. كما هي.. بعيدة و غير قادرة علي إحداث تغيير في الحقيقة الغير قابلة للجدل والتي تُخبرنا كل يوم آلاف المرات أننا لم نعد نحتمل !

و فيما تبدو الأمنيات العظيمة.. و الحب الفائض الذي كنت اعتقد أنه يملؤني يومًا والذي كنت اعتقد كذلك أني سأغمر به العالم دفئًا وسلامًا كذكريات غامضة لا أعلم مدى صحتها من عدمه .. وفيما يبدو الواقع أقرب بكثير لأحد أفلام الخيال العلمي التي تكرهها تمامًا ولكن مُجبر علي مشاهدتها لأنك دفعت بإرادتك ثمن دخوله الغير قابل للاسترداد أو المُقايضة علي ابتسامة باهتة لمستقبل غامض بعيد .. و فيما تبدو عبثية كل شيء الآن مُضجرة و في سبيلها إلي إهلاكي.. سأذهب للنوم بهدوء في محاولة أخيرة لإقناع العالم أني لازلت أحاول استردادي .. بمنتهي قلة الصبر والحيلة .. و واقفة علي أعتاب رجاء غريب لا أعلم مصدره أن يومًا ما -ربما- سأجد كل شيء علي خير ما يرام, وكما أريده.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق