الأربعاء، 17 ديسمبر، 2014


في الطريق الطويل _نسبيًا_ إلي الجامعة؛ تختفي آثار المدينة تدريجيًا؛ وصولًا إلي تلك اللحظة التي تستشعر فيها الهواء نقيًا بلسعةِ بردٍ خفيفة تتحدي الشمس المائلة للاختفاء.. الزحمة, الأصوات العالية, الدخان, أكوام القمامة .. يُصبح كل هذا _لدقائق قليلة_ جزءًا من ماضٍ سحيق.
تلك اللحظات هي الأصدق علي الإطلاق...
الطُرق تلتّف وتتمايل و تُصبح حكايات تروي قصص مَن مرّوا مِن هناك.. و اكتشف في لحظةٍ ما أني أعشق تلك الطُرق المنحدرة "صعودًا أو هبوطًا"؛ ذلك الميل الطفيف _أو الحاد_ وصولًا إلي النهاية..

في صغري؛ اعتدت أنا وصديقتي أن نعود للمنزل كل يومٍ من نفس الطريق .. نتمايل مع الشوارع, نضحك بأصوات عالية, ندّقُ الأبواب المارة في طريقنا ثم نجري بعيدًا قبل أن يوبخنا أصحاب المنازل أو العابرون في الطرقات .. و في طريق ضيّقٍ قبل النهاية بقليل؛ يقبع ذلك المُنحدر الطفيف كعلامة بارزة من علامات الزمن.. نمشي لمنتصفه .. نضع حقائبا .. ثم نعرد لنقطة البداية و نعلن بدء المسابقة اليومية في العدو؛ مع ملاحظة أن علي المُتسابقين أن يحملوا حقائبهم من منتصف الطريق ويُكملوا "الجري" حتي النهاية ^^
تذكرت كل الأيام التي كنا نفتخر فيها بفوزنا, بقدرتنا علي حمل الحقائب المليئة بالأحمال الثقيلة و الوصول لآخر المشوار بسلام ..
تلك القصة المُختصرة للحياة... تسير طبيعية حدّ السأم, مُملّة, و كئيبة.. نسير علي غيرِ هُديً, ندور في نفس الدائرة مرات ومرات .. ونتوقع في كل مرة أن نفوز.. أن نجد رايات النصر و أمجاد البطولة و طعم الانتصار!
...

تتلقاني في بداية الطريق "داخل الجامعة"؛ غِربانًا تُحلّق بمجموعات كبيرة .. في العادة لا يهُمّني هذا؛ بل استمتع بمراقبة غرابًا ما يبحث عن طعامه هنا وهناك .. لكن رؤيتها هكذا مجتمعة! لابد أن أعترف أنها تسلب طمأنينة القلب, وتُلقي الرهبة في النفس!
...

لا أعرف حقيقةً ما العلاقة التي تربط بين "موسم الامتحانات" وبين الرغبة في الكتابة, بل تحليق الكلمات كمجموعات الغربان السابقة تبحث عن طعام وتنتظر بشوقٍ لتفترسه!
...

لم يكن بُدٌّ من الكتابةِ عن كل هذا, من الغوص.. التفرس في الرسائل, و محاولة إيجاد العلامات .. أية إشارة تُخبرنا أننا لا نزال علي صواب.. أننا اخترنا الطريق الصحيح .. أن المنحدرات لم تكن مُجرد مُتعة علي طريق الروتين اليومي و انتهاءًا براحة سقيمة لا معني لها... أن الأمل معقود علي قليلٍ مُتبقٍ من الصبر و التصَبّر .. و أن النهاية تحمل الخير.. أو بعضًا منه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق