السبت، 27 ديسمبر، 2014

وبقاء الصبر, ومحاولة التصبر.


في نهاية فيلم The Lord Of The Rings كان فرودو يتحدث عن الأحداث العظيمة التي يمر بها الإنسان؛ الأحداث التي لا يمكن بعدها عودة الأمور لما كانت عليه من قبل, والتي يتغير معها الإنسان؛ يرى كل شيءٍ على حقيقته.

كان أول ما خطر ببالي في تلك اللحظة هو "يوم الفضّ"...
يظل 14/ 8/ 2013 بالنسبة لي _ومع الأخذ في الاعتبار أني أحد هؤلاء الذين حضروا الفض خلف الشاشات يشاهدون, يبكون ربما, يدعون لهؤلاء الذين يعرفونهم أو لا يعرفونهم .. يرجون معجزةً ما ليتوقف القتل أو لتنشقّ الأرض وتبتلع البشر جميعهم الآن!_ ..
بالنسبة لي كان يوم الفض أحد هذه الأيام التي لا تُنسى, ولكنه سيظل _لمن حضروه, لمن كانوا هُناك في مواجهة الموت_ أحد تلك الأحداث العظيمة التي لا يمكن بحال أن تعود الأمور لما كانت عليه قبلها؛ أو هكذا أعتقد, حتى لو كان الظاهر عكس هذا !

بعد أكثر من عام في مواجهة الشر والموت والظلام؛ عاد فرودو إلى شاير, لم تختلف الأمور هنالك كثيرًا, بل لم تفعل على الإطلاق! لم يُعانِ الناس مرارة الفقد, حيرة اختيار الصواب مع تحمل عبء العالم بأجمعه فوق كتفيك, اللحظة الأخيرة بعد انتهاء كل شيء, حصر الموتى, معرفة الحقيقة, والإيمان بأن لا شيء عاد لطبيعته حتى بعد انتهاء كل هذا...
!LIFE GOES ON

ربما هذه هي العبارة الوحيدة التى يمكنها أن تصف كل ما حدث, يحدث, وسيحدث في الحياة... 
الحياة تمر؛ بعد الفضّ, بعد مواجهة الموت, بعد معرفة الحقائق الغائبة واليقين في أن شيئًا لا يستحق كل هذا الموت والدمار الذي يسببه البشر لبعضهم البعض!

ومع هذا؛ في النهاية؛ لا شيء, ولا أحد سيتوقف ليسألنا عما إذا كنا مستعدين للاستمرار؟! ... لن يحدث هذا !
بل ستمر عجلة الحياة فوق كل شيء.. وستجعلنا _بعد كل الوقت الذي قضيناه في الهرب من الحزن, ومحاولة استعادة أنفسنا الذائبة مع لحظات مرت_ نتأكد أنه لا بأس لو فَرِحْنَا قليلًا .. لو وافقنا الحياة في استمرارها واستكملنا ما قُدِّر لنا أن نعيشه.. 

حتى بالنسبة للذين فقدوا ذويهم أو فقدوا أنفسهم يوم الفضّ.. الذين يعيشون الآن في غياهب السجن, و في حضرة الموت ... استمرت الحياة! 
اختلفت؟! نعم؛ بالتأكيد.. اختلف كل شيء, لم تعد الحياة لسابق عهدها.. ظهرت الحقيقة بأبشع صورها.. لكن الحياة استمرت! 
حتى بالنسبة لنا؛ نحن الذين عشنا الحزن كاملًا على بُعدِه؛ وعانينا مرارة "أننا لم نكن هناك!", فقط لو كنا معهم؛ لو تذوقنا ما عانوه من الغدر والألم .. فقط ربما لو كنا هناك! لربما هدأت قلوبنا في مواجهة استمرار كل شيء كما كان عليه؛ أو على الأقل في مواجهة شخص ما يدعي بكل ثقة وجهل أننا كاذبين بما يكفي لنقوم بتزوير موت أهلنا؛ لنكسب تعاطف الناس!
لربما كنا نقول لأنفسنا الآن أن كل شيء على ما يرام! فقط لأننا لا نحتمل طعم الهزيمة الذي نعرف جيدًا أننا نحياه الآن بأبهى صوره!
.....

في الماضي؛ كنت أتعجب للفلسطينيين.. كيف يمارسون حياتهم طبيعية بعد كل حرب, بعد خسارة الأبناء والأهل ..! أن يخسر شخصٌ أهله جميعهم في حربٍ ليس له فيها ناقة أو بعير! ولكنه لديه القدرة على أن يستكمل الحياة .. ربما يتغير الكثير بداخله, لكنه يستكمل الحياة! كنت أرى في كل هذا تناقضًا غريبًا على عقلي, ولم أستطع استيعابه؛ إلا الآن..
!LIFE GOES ON

ليس فقط أن الحياة تمر؛ مُطلقًا.. لكن؛ 
نحن _كمسلمين_ نحمل رسالة.. نحمل همّ هذا الدين, صلاح الأمة, إيصال رسالة مُحمد صلَّ الله عليه وسلم إلى كافة البشر... نحمل همّ القضية, فلسطين, همَّ ضياع المقدسات .. أو هكذا يجب أن نكون!

فرودو كان يحمل رسالته. كان يحمل عبء تدمير الخاتم, كان يُمثّل الخير في مواجهة الشر.. الشر المُطلق.. دمار العالم وضياع البشر.. ربما سيظل هذا فيلم بأية حال! لكن؛
بالنسبة لنا كمسلمين؛ كأمة تحمل رسالة, هل ستختلف الأمور بالنسبة لنا بعد كل الأحداث العظيمة التي تمر بنا؟! هل تعود الحياة لطبيعتها بعد كل شيء؟! دون أن ندري, أو نتفكر, أو حتى نُحاول التعلُم! هل هذا ما يحدث حقًا؟!!

ربما ليس هذا هو الوقت المناسب للحديث عن كل هذا بأية حال ..
.....

الآن؛ بعد أكثر من عام على الفضّ.. لا يزال سماع 14/ 8 يُثير الكثير من المشاعر, والأفكار.. والصور...
عامٌ كامل من المظاهرات بعدها.. ارتباط اليوم بشكلٍ ما بصورة أسماء البلتاجي ومصعب الشامي دون أدنى فهم لسبب يجعل هذين الاثنين هما الأقرب لقلبي أو لربط كل ما مرّ هذا اليوم بهما!.. خباب على الهاتف يَعُّدّ لي عدد الذين خسرهم هذا اليوم ومحاولاته الهرب مني كي لا يغلبه البكاء أو الصراخ فتذهب كل قواه سُدى.. أمنية وهي تبكي وتحاول فهم سبب ما يحدث أو تستمد مني بعض من القوة التي لم أمتلكها هذا اليوم بالذات ... محمود سعد, الطبيب الذي ضاعت جثته ولم يجدها أهله حتى الآن, الفتى الذي يُمثل كل من ضاعوا في هذا اليوم.. حفظه للقرآن.. عمله التطوعي.. لحيته الخفيفة.. وجمال ابتسامته في كل صوره وهي تُبشِّرُ بضياعٍ ليس له نهاية... اختناق الأطفال بالدخان والغاز .. ومحاولاتي لأخذ نفس عميق كلما مرت تلك الصورة بعقلي وكأني أنا من يُسحب منه الهواء وليس هم...!!
كل الأحداث التي مرت بعد هذا؛ الحياة التي لم تعد تعني شيئًا سوى أيام تذهب بطيئة وكأنها تُقسم على إعطائنا الألم جرعات متتالية دون كلل أو ملل..!

بعد كل هذا؛ سيكون علينا التوقف, الكتابة _ربما_ عن كل هذا في كل مرة نتذكره فيها؛ تخليدًا للذكرى, وتذكيرًا بأن الهدف لم يتحقق بعد, وأننا لم نصل إلى غايتنا, بعد. سيتوجب علينا طي الصفحات, إعطاء الفرصة للهواء كي يشق مجراه بداخل مسامنا المغلقة, لكي تتعود رئتينا الحياة .. سيتوجب علينا القيام وفضّ غبار سنة كاملة, وأكثر منها؛ قضيناها همًّا وحزنًا .. والبحث عن طريق آخر للعودة.. إلى البداية هذه المرة !
لنجد الطريق.

هناك تعليق واحد: