الأربعاء، 3 ديسمبر، 2014

في حب الأشياء الخفيفة؛ حدّ الموت !


منذ أيام, والكلمات تُحيط نفسها بغموض غريب عنّي.. أسوار و حصون أقسمت منذ أشهر علي عدم اقتحامها عنوة, بل تركتها تتفتّح لي متي شاءت, وبالكيفية التي تريد... لكن الأمر كان الأسوأ علي الإطلاق من بين الفترات التي خاصمتني فيها الكلمات.. كنت أريد الكتابة بشدّة, كما لم أُرد من قبل .. الكلمات كانت تنهشني من الداخل بينما تُخرج الأسطر البيضاء لسانها و تحلف 100 يمين ألا تمتلئ .. ألا تُطيعني.. و لو لتلك المرة فقط !

الآن ليس الوقت المناسب للحديث عن مساوئ الكتابة أو عن الجفاء الذي يحدث بيننا لأجدني دفعة واحدة في أحضان الفراغ التام.. لأجدني, منذ أشهر, عاجزة عن كتابة صفحة كاملة تُعبّر عن شيء مما أريد الحديث عنه, فقط أسطر متناثرة هنا وهناك.. باردة وعير منتظمة, والأسوأ .. غير عابئة بما أريد أن ألفظه خارجي حقًا ..!

بالأمس, كنت أريد ان أكتب عن رضوى .. زينب .. و هيثم ...
الثلاثي الذي كانت تدور حوله حياتي في الأيام القليلة الماضية.. و رغم أن القطيعة لازالت متواصلة بيني وبين حروفي فربما تبدو تلك التدوينة كمحاولة أخيرة لكسر الرهبة التي نشأت علي غير وعي مني خلال أشهر طويلة سابقة قضيتها مُنقطعة عن أي محاولة لاختراق أسوار الكلمات و إزالة الحدود التي وضعتها أمامي .. الرهبة التي جعلتني أخشي الكتابة, و الورق, و كل ما يمت للتعبير عن الصراعات التي تدور علي أشدها بداخلي وتأبى التوقف.. او حتى إعلان هدنة قصيرة أستطيع فيها لملمة حياتي المبعثرة .. و الرحيل بهدوء.
 ..................

لا يحق لي الكتابة عن زينب.. ليس فقط لكوني لم أعرفها أبدًا .. و لم يجمع بيننا أية وسيلة تواصل سوى ذلك الانكسار الذي حلّق في السماء ولم يهبط منذ رحيلها...
يبدو هذا غريبًا بالنسبة لي.. لأني تساءلت كثيرًا عن الفارق بين القائمة الطويلة من الذين قرروا إنهاء حياتهم علي مدار الثلاث السنوات السابقة .. و بين زينب بالذات؟!
هل لأنها كانت قريبة من كثيرين أعرفهم؟ هل لأنها كانت قريبة من هيثم بالذات و الذي يؤثر في حياتي بشكل أو بآخر؟ هل لأنها كانت "واحدة مننا" ..؟ لأنها كانت تملك أحلامنا بوطن حر.. و حياة عادلة و كرامة و بلا بلا بلاااا ...؟ لأنها امتلكت معنا رغبة إحداث تغيير ما؟ لأنها عاشت معنا الخذلان لحظة بلحظة وأدركت مثلنا أن الأمل في الإصلاح ها هنا أصبح بعيد المنال؟!!
لم شكّلت تلك الحادثة بالذات فارقًا بالنسبة لي انا التي كنت أسخر من تعاملنا مع من سبقوها لنفس الفعل .. من الردود الثابتة عليها .. من الأحكام المُطلقة التي يرميها الجميع وكأنهم ممثلون عن الخالق و حاملين لصَكّ غفرانه أو عذابه !!
أنا التي كنت أري الانتحار يومًا ما حلًا بسيطًا يختصر كل الطرق.. و التي كنت أصمت أمام كلمات الناس عن مدى سذاجة المنتحر الذي خسر دنيته وآخرته .. لأني ربما في مكان ما داخلي كانت تتردد عبارات كـ "الله أرحم بكثير منّا" أو أن "الانتحار هو ظلم للنفس وحده خالقها يُحاسب عليه و ليس أي بشر مهما كان" ....

لم قامت ثورة بداخلي بعد رحيل زينب؟!!
ربما "كما قلت لصديق" لأنها فتحت الباب علي مصراعيه للكثيرين كي يحذوا حذوها .. الكثيرين منّا .. الذين كانوا يتسندّون علي كلمات غرباء عنهم في الواقع .. ولكنهم قريبين كفاية من الروح بكلماتهم .. بابتسامتهم .. بأفعالهم البسيطة التي تقول دائمًا أنه إذا كانت الحياة علي هذه الأرض مستحيلة, فهؤلاء فقط هم من يجعلونها ممكنة .. هؤلاء الذين يحاربون في سبيل قضية ما _تتعلق دائما بغيرهم من الخلق_ حتي لو كانت القضية خاسرة وفقًا لكل الظروف والحسابات والأحداث العجيبة التي نحياها ...

و بينما كان رحيل زينب لا يزال تدور حوله "داخلي" الكثير من علامات التعجب والاستفهام .. جاء رحيل رضوى ....
جاء ليجعل لكل هذا معنيً غريبًا لم أكن اتخيل أن يكتسب قيمته أبدًا من الموت !
الموت الهادئ .. رغم المصاعب.. الرحيل.. المعارك.. السفر الطويل.. الانتظار البغيض للأحبة.. و رحيلهم في النهاية قتلى أو مرضى أو مُتعبين حدّ الموت...

رحلت رضوى بابتسامتها التي اعتدت رؤيتها دائما في كل صورها ... بكلماتها التي كانت كفيلة بإخبار كل شيء عنها حتي وإن لم تكن تعرفها "شخصيًا أو تربطك بها أية وسيلة تواصل .. و لن تكون" .. بحكايات مريد عنها و قصص تميم اللذان يخبران كل شيء ...
ذلك الرحيل الذي لم يصاحبه صخب .. أو بكاء مصطنع لنجوم السينما أو (كبار رجال الدولة) ... لم تصاحبه الكاميرات الكثيرة عن اللازم .. فقط ما ينقل الحدث علي قدر هدوءه و صدمته ...

قصة حبها لمريد .. و حب مريد لها .. تلك القصة التي احتلت تفاصيلها لحياتي و مخيلتي منذ تعرفت لبعضٍ منها .. منذ رأيتها مع رام الله بكلمات مريد و صوت تميم يشرح حكاياتها الأكثر جمالًا لملامحها الخفية ...
.................

كثيرًا ما تخيلت أشكالًا مختلفة لرحيلي.. لكن .. علي انكسار يوم رحيلها .. رجوت أن يكون رحيلًا كهذا ...
رحيلًا بعد معارك طويلة في سبيل الغاية المنشودة .. حتي وإن لم أصل .. "رحلت علي الطريق" .. هكذا سأخبر ربي ... رحيلًا بعد ترك أثر.. بصمة تجعل أناسًا لم أعرفهم يومًا _ولن أفعل_ يدعون لي بالرحمة .. و يخلدون الذكرى بهدوء مُحبب للنفس ...
رحيل يترك قيمة في حياة ابن أو ابنة .. يجعلهم يُكملون الطريق .. يجعلهم علي العهد .. حتي تجمعنا النهايات ...
رحيل هادئ وبسيط .. دون دويّ سوى في قلوب المُحبين .. علي صمتهم .. يجعل لحياة تركتها معنيً و بقاء .
.................

يجمع هيثم تلك القصص بروابط خفية .. دون أن يدري .. و يُلقيها في وجداني فتنبت رغبة في مواصلة طريق بدأ منذ سنوات و لم يُستكمل .. طريق ضاع مني كما ضعت منه .. ولازلت لا أعلم إليه سبيلًا .. ولازالت الإشارات إليه غير واضحة .. ولا زال ( هو ) _أيًا كان هو_ بعيدًا بما يكفي ليُكسبه كل هذا الحماس المطلوب للمقاومة ...

و لا أزال اتساءل _منذ أن رأيت الكلمات عند هيثم_ .. كيف يمكن للقلب أن ينصلح و فيه كل هذا وأكثر كثيرًا ؟!
كيف للحال أن يهتدي للصواب إن كنا نجهل الطريق, ونضلّ الإشارات و نتعثر في الخطى علي غير هداية أو رؤية .. أو غاية ؟؟!
.................

كان كلًا من رحيل زينب الصاخب, و رضوى الهادئ يُبعثر حبّات القلب, ويترك فيه أحجية أخري تنتهك التعب, و تُثير حفيظة التساؤلات التي أود أن أُسكتها للأبد . . .
و رغم صمت الكتابة, إلا أن الكلمات تدور في الأفق دون أن امتلك القدرة علي اصطيادها او اتباع أحدها أو حتي خداعه في سبيل الوصول للبقية .. فعندما أُمسك طرف الخيط و أرى بوادر كتابة تلوح في الفضاء, تصطدم الحروف بعضها ببعض مُحدثة صدىً من الغضب المتزايد بلا سبب, والذي يجعل الكلمات تتوه مرة أخري في محيط من الحيرة لازلت غير قادرة علي إيجاد كلمة سر ولوجه و الإبحار داخله وإستخراج ما أريد ان أقول .. ما أريد أن أخرجه لأستريح .. أو ربما لأفهم .. أو فقط لأوثّق لحظة _ربما_ ستُرشدني في حياة أخري لنور الله الأبديّ .
.................

 انهيار اللحظة في سبيل إيجاد معنيً غائب, أو قيمة للطريق, أو غاية يرقُّ لها القلب ويحتمل من أجلها الحياة ويهون في سبيلها كل هذا .. وأكثر .
البحث الذي يفشل دائمًا في الواقع, فيتجه للكلمات كحلٍ نهائي ووحيد لإيجاد مخرج من الحيرة الدائمة بدون هداية أو وصول ..
كل هذا يبعث علي الصمت أكثر و محاولة الخروج من الدائرة التي تقتلنا جميعًا بهدوء و استمرارية دون كلل أو حزن ..
ولكن شيئا لا يُفلح .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق