الأحد، 2 مارس، 2014

حكايا الليل


استلق علي الأرض, استشعر برودتها تتخلل جسدك وتمُدك بالغذاء اللازم من الألفة والأمان, إلتمس من الأرض الكمال وتخيل أنك جزء منها...


لديك الآن شجرة خضراء مزهرة ومتفاخرة بلون الراحة والطمأنينة تَنبُت أعلي كتفك .. بينما تزدهر عند أطراف يديك أزهار الأوركيد,, ويحيط بكامل جسدك شجيرات و ورود صفراء وأرجوانية وزرقاء .. وينمو نبات اللبلاب اللطيف عند أطراف قدميك ليربطك بالسماء...


استمد من الأرض استقرارك وثباتك, ثم انطلق نحو الأعلي... 

تستطيع الآن أن تري السماء بوضوح أكثر .. شاسعة, جامحة, وعميقة إلي أبعد حد! .. النجوم تُضئ بتألق ونرجسية في بعض الأوقات! لكنها تُشع أكثر بكثير مما اعتدت رؤيته وأنت تنظر إليها نظرات عابرة غير مبالية... 

"وبما أنني استلق فوق سطح منزلنا فستكون _حبال الغسيل_ هي الجسور التي تربط النجوم بعضها ببعض, اعبر بواسطتها من نجمة لأخري محاولة استكشاف هذا العالم الذي ادخله لأول مرة بتلك الصورة" .. عليك أن تتأقلم مع الوضع! 
تبدو بعض النجوم كجزيرة نائية وحيدة في محيط واسع من الظلام .. لكنها ليست ضعيفة مثلنا .. فهي تستمد من الله القوة والنور لتُضئ لأنفسها ولنا الطريق نحو الجنة!
الصورة تتضح بشكل مُبهر حتي علي عيني التي اعتادت رؤية السماء كأنها أمر مُسّلم به في الحياة!.. وكأنها شئ جامد لا يتغير! .. "كم كنت حمقاء!"

لكنها الآن مختلفة .. وجميلة .. تتداخل في الصورة نقاط أخري, نجوم لم تعتقد أنها موجودة .."التركيز علي الصورة يمنحها تفاصيل لم تكن تتخيل أو تعتقد بوجودها" .. وهكذا السماء في تلك الليلة .. نجمات خافتة وبعيدة تتحدث إلي بعضها في صمت مطبق! .. في البداية .. تبدأ في الاعتقاد بأنها حزينة قد أمضّها رؤية المعاناة التي يسببها البشر لبعضهم البعض .. الحروب, الدمار, الخراب, وكل الدماء التي تسيل بلا سبب .. ولهذا فقد آثرت _هذه النوعية من النجوم مرهفة الحس و رقيقة القلب_ الابتعاد بعد أن انهكها طول البكاء والتضرع إلي الله كي تنتهي هذه المعاناة يوما .. ولكنها استسلمت في النهاية للحقيقة المُرّة .. 

"هكذا هي الحياة, وستظل هكذا إلي يوم القيامة!!" ... 

وقد كان اليوم الذي اكتَشَفَت فيه هذه الحقيقة هو اليوم الذي تَمَنّت فيه أن تختفي .. أن تُطل علي الكون من بعيد فقط لتعلم أن النهاية لم تأت بعد .. ولكنها لن تمنح دفء رؤيتها بعد الآن ..إلا لمن يستحق!

لقد انسحبت إلي الأبد .. غير أن طيبَتُها تأبي عليها إلا بعضاً من الأمل تُعطيه بكامل رضاها للبشرية الغارقة في الظلام ... وها هي الآن قابعة خلف ستائر من الغيوم تنتظر بشغف أن تبدأ حياة أخري... 

ستشعر بأنفاسك تصعد وتهبط .. وتُحس بنبضات قلبك تتسارع وكأنه قد أرضاها رؤية السماء مُبتهجة لك .. "ابتسم, فأنت تستحق!".


لا تزال الصورة غير مكتملة... 

لا يزال هناك طائر البوم الذي يبدو أنه من عُشاق الليل وساكنيه الدائمين, يحوم في سعة السماء كـ ملك مُتوج يحتفل بمُلكه الذي يتسع ليلة بعد أخري..

لا تزال هناك كريات من النور تعلن عن نفسها من وقت لآخر .. وأسراب من الطير قادمة من اللاشئ.. ومُتجهة نحوه! .. تسبح في قلق وتُعبر عن غضبها بأزيز لا تعرف له كنه أو مصدر..!


لا تزال هناك تلك القطة التي سكنت إلي جوارك غير عابئة, ولكنها كذلك تجلس علي مسافة بعيدة كفاية للهرب متي لاحت منك أية نية للغدر! .. وهي بسكونها تملأك حنيناً وهدوءاً لا يمكن وصفهما...!!


ولا تزال هذه الجدران البُنيّة المتشققة التي تُخفي وراءها قصص طويلة ومليئة بالهموم والعثرات والأفراح _من وقت لآخر_ .. تدخل بكل حكاياها كادر صورتك من لحظة لأخري لتخبرك أنك لا تظل هنا (علي الأرض)! .. خائفاً وحزيناً..!

ومع هذا تختطفك السماء مرةً أخري بمصابيحها المتلألأة في ليلة غير قمرية لِتُعيدك إلي النور .. وإلي المناجاة!
....

تعود لتتخيل نفسك تقفز بين نجمة وأختها.. تنظر إلي الأرض غير مُبالٍ بما هو آتٍ, أو حتي بما يحدث الآن.. غير مُبالٍ بأي شئ, ومُحتفظاً لنفسك بقدرٍ لا بأس به من الشجاعة للقفز مرة أخري وأخري بين النجوم... واعداً إياها بعدم النظر مرة أخري للأسفل .."نحو الأرض"..! 

....

مع اقتراب النهاية, واستعدادك للرحيل .."من علي السطح طبعا ^_^" .. تقفز مرة أخيرة .. لكنها هذه المرة ليست في اتجاه مُحدد,, وليست نحو نجمة أخري.. بل هذه المرة تقفز بكل قوة الحياة التي تحملها داخلك, وبكل شغف الحلم المتسع إلي اللانهاية,, نحو السماء المفتوحة! 

نحو المجهول, وإلي الأبد. 

السبت، 1 مارس، 2014

رحيل مرة أخري!


تعرف علامات الرحيل حين تراها. تجدها تتخلل الجو من حولك وتملأه بكل ما يدل عليها, كرياح الخماسين السخيفة تلك التي تملأ الهواء بذرات الرمال حتي مع إغلاقك للشبابيك والستائر والأبواب, تجدها تحيط بك برائحتها الباعثة علي الغثيان, وتجد التراب يرقد فوق كرسيك المفضل ومكتبك وسريرك وحتي فوق عدسات نظارتك الطبية العزيزة

ورغم تهربك الدائم منها ومن وجودها إلا أنها تعرف كيف تصطادك, تعرف أماكنك المفضلة التي تحتسي فيها كوب القهوة وتلتقي فيها بالأصدقاء, تعرف مكان عملك, ومنزلك, ومنازل أصدقاءك وأقرباءك .. اللعنة! إنها تعرف كل شئ حقا وكأنها قد أمضت السنوات السابقة في التقصي عنك وانتظار اللحظة المناسبة لتلاحقك أينما ذهبت,,

تجدها بجوارك في السيارة وأمام جهاز الكمبيوتر تراقب حروفك وتسير في إتجاه عكسي بطريق العودة إلي المنزل لتواجهك وتُخرج لك لسانها كي تزعجك بعبقريتها في  التغلب علي كل خططك ورغباتك وحتي أحلامك! حتي إنك لتجدها في المساء راقدة علي سريرك مدعية الجدية لتخبرك أن قلة النوم هي آخر ما يتوجب عليك القلق بشأنه الآن!
تباً! كم تجيد فعل هذا حقا!

تدرك الآن أن الوقت قد حان بالفعل, وأن التأجيل لن يزيد الأمور إلا تعقيدا, وأن عليك أن تتحلي  بالشجاعة المناسبة لمواجهة الحقيقة. الأمر أشبه بـ لعبة _لم تلاحظ انك تمارسها منذ الأزل_ .. أن تحب شيئا ما أو شخصا ما, ترتبط به كثيرا, ,تجمعكم المحاضرات والرحلات و"الفُسح" والكافيه والانترنت و ... كل شئ .. ثم, شئ ما يحدث, فجأة و دون سابق إنذار تتغير نظرتك للعالم, تدرك أنك لم تعد تراه كما السابق, تدرك أنك لم تعد تُفضل نفس الأشياء, نفس أماكن الخروج التي تقضي فيها أمتع الاوقات, شئ ما يتغير بداخلك ويكون كافيا _تماما_ ليتغير عالمك كله وينقلب رأسا علي عقب!

الرحلة بأكملها أصبحت علي استعداد تام لتغيير المسار وإتخاذ إجراءات جديدة كي تُفسح مكانا لهذه التعديلات التي طرأت علي الساحة! وأصبحت "أنت" مُهيأ لما هو قادم بكل تعقيداته التي يزيدها سوءاً نظرات الجميع التي تخبرك كم أنت أناني وحقير لتتخذ مثل هذه القرارات بالابتعاد وحدك و دون الرجوع إليهم؟!!

لكنك لم تعد قادرا علي التحدث, أو توضيح الأمور, لم يعد بداخلك متسع لكل هذا الجدال العقيم, لقد وجد العالم طريقه مرة اخري ليملأك!
تترك الجميع لظنونهم, وتُبحر مرة اخري. نحو المجهول.