السبت، 27 ديسمبر، 2014

وبقاء الصبر, ومحاولة التصبر.


في نهاية فيلم The Lord Of The Rings كان فرودو يتحدث عن الأحداث العظيمة التي يمر بها الإنسان؛ الأحداث التي لا يمكن بعدها عودة الأمور لما كانت عليه من قبل, والتي يتغير معها الإنسان؛ يرى كل شيءٍ على حقيقته.

كان أول ما خطر ببالي في تلك اللحظة هو "يوم الفضّ"...
يظل 14/ 8/ 2013 بالنسبة لي _ومع الأخذ في الاعتبار أني أحد هؤلاء الذين حضروا الفض خلف الشاشات يشاهدون, يبكون ربما, يدعون لهؤلاء الذين يعرفونهم أو لا يعرفونهم .. يرجون معجزةً ما ليتوقف القتل أو لتنشقّ الأرض وتبتلع البشر جميعهم الآن!_ ..
بالنسبة لي كان يوم الفض أحد هذه الأيام التي لا تُنسى, ولكنه سيظل _لمن حضروه, لمن كانوا هُناك في مواجهة الموت_ أحد تلك الأحداث العظيمة التي لا يمكن بحال أن تعود الأمور لما كانت عليه قبلها؛ أو هكذا أعتقد, حتى لو كان الظاهر عكس هذا !

بعد أكثر من عام في مواجهة الشر والموت والظلام؛ عاد فرودو إلى شاير, لم تختلف الأمور هنالك كثيرًا, بل لم تفعل على الإطلاق! لم يُعانِ الناس مرارة الفقد, حيرة اختيار الصواب مع تحمل عبء العالم بأجمعه فوق كتفيك, اللحظة الأخيرة بعد انتهاء كل شيء, حصر الموتى, معرفة الحقيقة, والإيمان بأن لا شيء عاد لطبيعته حتى بعد انتهاء كل هذا...
!LIFE GOES ON

ربما هذه هي العبارة الوحيدة التى يمكنها أن تصف كل ما حدث, يحدث, وسيحدث في الحياة... 
الحياة تمر؛ بعد الفضّ, بعد مواجهة الموت, بعد معرفة الحقائق الغائبة واليقين في أن شيئًا لا يستحق كل هذا الموت والدمار الذي يسببه البشر لبعضهم البعض!

ومع هذا؛ في النهاية؛ لا شيء, ولا أحد سيتوقف ليسألنا عما إذا كنا مستعدين للاستمرار؟! ... لن يحدث هذا !
بل ستمر عجلة الحياة فوق كل شيء.. وستجعلنا _بعد كل الوقت الذي قضيناه في الهرب من الحزن, ومحاولة استعادة أنفسنا الذائبة مع لحظات مرت_ نتأكد أنه لا بأس لو فَرِحْنَا قليلًا .. لو وافقنا الحياة في استمرارها واستكملنا ما قُدِّر لنا أن نعيشه.. 

حتى بالنسبة للذين فقدوا ذويهم أو فقدوا أنفسهم يوم الفضّ.. الذين يعيشون الآن في غياهب السجن, و في حضرة الموت ... استمرت الحياة! 
اختلفت؟! نعم؛ بالتأكيد.. اختلف كل شيء, لم تعد الحياة لسابق عهدها.. ظهرت الحقيقة بأبشع صورها.. لكن الحياة استمرت! 
حتى بالنسبة لنا؛ نحن الذين عشنا الحزن كاملًا على بُعدِه؛ وعانينا مرارة "أننا لم نكن هناك!", فقط لو كنا معهم؛ لو تذوقنا ما عانوه من الغدر والألم .. فقط ربما لو كنا هناك! لربما هدأت قلوبنا في مواجهة استمرار كل شيء كما كان عليه؛ أو على الأقل في مواجهة شخص ما يدعي بكل ثقة وجهل أننا كاذبين بما يكفي لنقوم بتزوير موت أهلنا؛ لنكسب تعاطف الناس!
لربما كنا نقول لأنفسنا الآن أن كل شيء على ما يرام! فقط لأننا لا نحتمل طعم الهزيمة الذي نعرف جيدًا أننا نحياه الآن بأبهى صوره!
.....

في الماضي؛ كنت أتعجب للفلسطينيين.. كيف يمارسون حياتهم طبيعية بعد كل حرب, بعد خسارة الأبناء والأهل ..! أن يخسر شخصٌ أهله جميعهم في حربٍ ليس له فيها ناقة أو بعير! ولكنه لديه القدرة على أن يستكمل الحياة .. ربما يتغير الكثير بداخله, لكنه يستكمل الحياة! كنت أرى في كل هذا تناقضًا غريبًا على عقلي, ولم أستطع استيعابه؛ إلا الآن..
!LIFE GOES ON

ليس فقط أن الحياة تمر؛ مُطلقًا.. لكن؛ 
نحن _كمسلمين_ نحمل رسالة.. نحمل همّ هذا الدين, صلاح الأمة, إيصال رسالة مُحمد صلَّ الله عليه وسلم إلى كافة البشر... نحمل همّ القضية, فلسطين, همَّ ضياع المقدسات .. أو هكذا يجب أن نكون!

فرودو كان يحمل رسالته. كان يحمل عبء تدمير الخاتم, كان يُمثّل الخير في مواجهة الشر.. الشر المُطلق.. دمار العالم وضياع البشر.. ربما سيظل هذا فيلم بأية حال! لكن؛
بالنسبة لنا كمسلمين؛ كأمة تحمل رسالة, هل ستختلف الأمور بالنسبة لنا بعد كل الأحداث العظيمة التي تمر بنا؟! هل تعود الحياة لطبيعتها بعد كل شيء؟! دون أن ندري, أو نتفكر, أو حتى نُحاول التعلُم! هل هذا ما يحدث حقًا؟!!

ربما ليس هذا هو الوقت المناسب للحديث عن كل هذا بأية حال ..
.....

الآن؛ بعد أكثر من عام على الفضّ.. لا يزال سماع 14/ 8 يُثير الكثير من المشاعر, والأفكار.. والصور...
عامٌ كامل من المظاهرات بعدها.. ارتباط اليوم بشكلٍ ما بصورة أسماء البلتاجي ومصعب الشامي دون أدنى فهم لسبب يجعل هذين الاثنين هما الأقرب لقلبي أو لربط كل ما مرّ هذا اليوم بهما!.. خباب على الهاتف يَعُّدّ لي عدد الذين خسرهم هذا اليوم ومحاولاته الهرب مني كي لا يغلبه البكاء أو الصراخ فتذهب كل قواه سُدى.. أمنية وهي تبكي وتحاول فهم سبب ما يحدث أو تستمد مني بعض من القوة التي لم أمتلكها هذا اليوم بالذات ... محمود سعد, الطبيب الذي ضاعت جثته ولم يجدها أهله حتى الآن, الفتى الذي يُمثل كل من ضاعوا في هذا اليوم.. حفظه للقرآن.. عمله التطوعي.. لحيته الخفيفة.. وجمال ابتسامته في كل صوره وهي تُبشِّرُ بضياعٍ ليس له نهاية... اختناق الأطفال بالدخان والغاز .. ومحاولاتي لأخذ نفس عميق كلما مرت تلك الصورة بعقلي وكأني أنا من يُسحب منه الهواء وليس هم...!!
كل الأحداث التي مرت بعد هذا؛ الحياة التي لم تعد تعني شيئًا سوى أيام تذهب بطيئة وكأنها تُقسم على إعطائنا الألم جرعات متتالية دون كلل أو ملل..!

بعد كل هذا؛ سيكون علينا التوقف, الكتابة _ربما_ عن كل هذا في كل مرة نتذكره فيها؛ تخليدًا للذكرى, وتذكيرًا بأن الهدف لم يتحقق بعد, وأننا لم نصل إلى غايتنا, بعد. سيتوجب علينا طي الصفحات, إعطاء الفرصة للهواء كي يشق مجراه بداخل مسامنا المغلقة, لكي تتعود رئتينا الحياة .. سيتوجب علينا القيام وفضّ غبار سنة كاملة, وأكثر منها؛ قضيناها همًّا وحزنًا .. والبحث عن طريق آخر للعودة.. إلى البداية هذه المرة !
لنجد الطريق.

الأربعاء، 17 ديسمبر، 2014


في الطريق الطويل _نسبيًا_ إلي الجامعة؛ تختفي آثار المدينة تدريجيًا؛ وصولًا إلي تلك اللحظة التي تستشعر فيها الهواء نقيًا بلسعةِ بردٍ خفيفة تتحدي الشمس المائلة للاختفاء.. الزحمة, الأصوات العالية, الدخان, أكوام القمامة .. يُصبح كل هذا _لدقائق قليلة_ جزءًا من ماضٍ سحيق.
تلك اللحظات هي الأصدق علي الإطلاق...
الطُرق تلتّف وتتمايل و تُصبح حكايات تروي قصص مَن مرّوا مِن هناك.. و اكتشف في لحظةٍ ما أني أعشق تلك الطُرق المنحدرة "صعودًا أو هبوطًا"؛ ذلك الميل الطفيف _أو الحاد_ وصولًا إلي النهاية..

في صغري؛ اعتدت أنا وصديقتي أن نعود للمنزل كل يومٍ من نفس الطريق .. نتمايل مع الشوارع, نضحك بأصوات عالية, ندّقُ الأبواب المارة في طريقنا ثم نجري بعيدًا قبل أن يوبخنا أصحاب المنازل أو العابرون في الطرقات .. و في طريق ضيّقٍ قبل النهاية بقليل؛ يقبع ذلك المُنحدر الطفيف كعلامة بارزة من علامات الزمن.. نمشي لمنتصفه .. نضع حقائبا .. ثم نعرد لنقطة البداية و نعلن بدء المسابقة اليومية في العدو؛ مع ملاحظة أن علي المُتسابقين أن يحملوا حقائبهم من منتصف الطريق ويُكملوا "الجري" حتي النهاية ^^
تذكرت كل الأيام التي كنا نفتخر فيها بفوزنا, بقدرتنا علي حمل الحقائب المليئة بالأحمال الثقيلة و الوصول لآخر المشوار بسلام ..
تلك القصة المُختصرة للحياة... تسير طبيعية حدّ السأم, مُملّة, و كئيبة.. نسير علي غيرِ هُديً, ندور في نفس الدائرة مرات ومرات .. ونتوقع في كل مرة أن نفوز.. أن نجد رايات النصر و أمجاد البطولة و طعم الانتصار!
...

تتلقاني في بداية الطريق "داخل الجامعة"؛ غِربانًا تُحلّق بمجموعات كبيرة .. في العادة لا يهُمّني هذا؛ بل استمتع بمراقبة غرابًا ما يبحث عن طعامه هنا وهناك .. لكن رؤيتها هكذا مجتمعة! لابد أن أعترف أنها تسلب طمأنينة القلب, وتُلقي الرهبة في النفس!
...

لا أعرف حقيقةً ما العلاقة التي تربط بين "موسم الامتحانات" وبين الرغبة في الكتابة, بل تحليق الكلمات كمجموعات الغربان السابقة تبحث عن طعام وتنتظر بشوقٍ لتفترسه!
...

لم يكن بُدٌّ من الكتابةِ عن كل هذا, من الغوص.. التفرس في الرسائل, و محاولة إيجاد العلامات .. أية إشارة تُخبرنا أننا لا نزال علي صواب.. أننا اخترنا الطريق الصحيح .. أن المنحدرات لم تكن مُجرد مُتعة علي طريق الروتين اليومي و انتهاءًا براحة سقيمة لا معني لها... أن الأمل معقود علي قليلٍ مُتبقٍ من الصبر و التصَبّر .. و أن النهاية تحمل الخير.. أو بعضًا منه.

الأحد، 14 ديسمبر، 2014


و جُلَّ ما أبتغيه الآن هو ليلٌ برائحة الفانيليا؛ مخبوزةٌ مع الذكريات في حلوىٍ تتلذذ فيها بطعم البهجة, و تدور عليها أكواب الشيكولاة الدافئة كأجمل ما يكون لليالِ ديسمبر المُفعمة بالبرودة ^^

الأحد، 7 ديسمبر، 2014

فقط, لتعرف !


سأخبرك عدة أشياء عنّي, اسمح لي أن يكون هذا المساء مليئٌ بالثرثرة حيث أن الصباح يحمل "خطة بحثية" غيرُ جاهزة لتُقدّم لدكتور جامعي لن يقرأها ليُقيّم بها قدرتي علي القفز من السنة الثالثة للرابعة, و مدى تفهمي للهراء العظيم الذي يُحدّثنا به في كل مُحاضرة !
ولأنك تعلم مدى كراهيتي لنظامنا التعليمي في هذه "المخروبة" و الذي لم يستطع استيعاب قدراتي الخارقة و عقليتي الفذّة ! فهذا مساء قررتُ فيه أن أُفرد لنفسي مساحة علي مُحيط حياتك, و حياة الجميع .. و لتذهب الجامعة إلي الجحيم بكل أريحية ..

أكره نظامنا التعليمي كما أخبرتك. لكني _للحق_ لستُ طالبة مُجتهدة, أو حتي نصف مجتهدة؛ اللهم إلا فيما يَهُمني حقًا ويحتل مساحة من تفكيري و من حياتي .. كالغوص في شخصيات الناس, معرفة الكثير عنهم من أبسط الأشياء التي يُهملها الكثيرون و تُمثّل للجميع غالبًا كمٌ مُهمل علي جانب الحديث.. الإبحار في هذا العالم يستهويني تمامًا .. سيُخبرك هيثم ربما أن عليك أن تُقنعني باستكمال دراستي في علم النفس, و ستُخبرك دينا أن موهبتي مُهدرة فيما هو غير مُفيد علي الإطلاق .. و سترى أنت أني أتخذُ من كل هذا التعمُق في حياة الآخرين وسيلة للهروب من حياتي الخاصة .. و أني أُفلح في هذا كأحسن ما يكون !

ستعلم بالتأكيد أني مُستمعة جيدة جدًا, بل ماهرة _إن جاز لي أن أصف نفسي ولم يكن في الأمر غرور_ .. الإنصات التام المشوب بالاهتمام الحقيقي, وليس المُصطنع .. بل الرغبة الحقيقية في المُساعدة عن رضيً .. و حب !
ستراني أتحوّل إلي صخرة علي شاطئ الإسكندرية تُنصت في شغف للمُحبين, للحزانى, للمليئين بالغضب .. ستندهش من قدرتي علي استيعاب كل هذا و رؤية النقاط البيضاء في القصص الملأى بالحزن والظلام .. من البسمة التي لا تُفارق تلك اللمحات الباهتة من أطراف القصة المُتدلية من قلب الراوي ..!
وسأدرك أن اندهاشك لأنك تعرف الحقيقة التي لا يعلمها أحد .. أن كل هذا الإنصات _ربما_ بحثًا عن نقظة ضوء .. نقطةٍ محورية يُصبح عندها لكلِ شيءٍ معني .. أو مُنحدرًا ما تتضح معه الغاية و السبيل ..
ستُدرك أن الحيرة القابعة في الداخل لا تظهر سوى في أحاديثنا الأكثر عُمقًا عن الناس والحياة .. و أن تلك الصخرة التي تتحمل كل ما استطاعت أخذه من مآسي الناس سترتد علي أعقابها و تقذف بنفسها في البحر هروبًا من عدم رغبتها في إنهاء مآسيها الخاصة وصولًا للطريق الذي تريد !

أنت الوحيد الذي يرى الصورة كاملة .. لأنك تُشاهد الواقع و تعيشه معي .. بكل تقلباته .. "تقلباتي".. بكل هروبي وحيرتي .. بكل الأحلام العظيمة و العمل الشاق والنهايات الغير معلومة .. بكل الرغبة في إنهاء مسار واحد إلي نهايته؛ قبل العودة من منتصفه مع إدراك كامل بأن هذا لم يكن يومًا اختيارًا صائبًا !

ستعرف أني أحب القراءة, و أكره الصورة الناقصة للأشياء ..
أني أكره النظام الكامن وراء كل شيء يدعونا للطاعة العمياء ويُملي علينا الطرق التي يجب أن نسلكها و الخطوات التي يجب أن نمشيها و حتي الأحبّة الذين يجب أن نُضحي من أجلهم ! ولكني مع هذا أحب التعلم .. أعشق العودة للبدايات مع كل تجربة جديدة تُخبرني قصّة لم أكن أعرف من ملامحها شيئًا أو تتلو علي مسامعي خفايا العالم .. حتي الأكثر ألمًا منها ومُعاناة ..
ستعرف بعشقي لكل القصص الجديدة .. التجارب .. الوقوع في الخطأ .. التعلم من التجربة .. من المحاولات المستمرة .. من السير علي الطريق .. من اتباع الإشارات حتي وإن كانت خاطئة .. و ستدرك أني أعشق كل هذا بوجودك .. فقط وجودك هو ما يجعل له معني وقيمة .. أنت فقط من تمنحه الحياة لُيمارس لُعبة الحياة معي .. و لتستمتع أنت بطفولتي التي تظهر مع كل تجربة .

ستعرف أني أخوض التفاصيل كاملة .. أغرق تمامًا في حكايا الآخرين .. و أستمتع بالتواجد هناك .. علي هذا الخط الفاصل بين كل ما هو معروف و مُتّبع .. و بين المغامرات التي تحمل الشعور المستمر بالخطر .. بالرهبة .. بالخوف من خوض غمار حرب لا أعرف من سيكون فيها المُنتصر .. لكنك في تلك اللحظة ستكون إلي جواري لنعبر معًا ذلك الخط الفاصل بهدوءٍ و روية .. و بحكمة من أدرك أن النهاية تقترب مع كل خطوة .. و لكنها تحمل أملًا جديدًا .. و إحساسًا بالأمان .. إلي جواري .. إلي جوارك .

الجمعة، 5 ديسمبر، 2014


أواجه صعوبة في الاستيقاظ من أجل كتابة شيء ما.. أو للدّقة.. أواجه صعوبة في الخروج من الدفء لبرودة الجو والكلمات.. لمواجهة نفسي علي الصفحات البيضاء !
و هذا يُضاف لقائمة طويلة من الأسباب التي تجعلني أتمادى في كراهية الشتاء, أو كل ما يَمُتّ للبرد بصلة ...

في فيلم Saving private Ryan .. في تلك اللحظة التي كان يتحدث فيها "توم هانكس" عن فيكو "الشاب الذي مات تحت قيادته", و يتذكر معه كبارزو .. يبدأ الضحك في كلمات تبدو ساخرة .. الذكريات بكل بهجتها في مواجهة الموت الذي يختطف بريق العيون, ويُنذر بصمت بغيض... 
بين كل هذا تظهر الحقيقة بشعة لأقصى حد ..!

كل الأشياء تمر ... تذهب بعيدا حاملة معها كل الوجع و الذكريات و الحب, بينما يبقى خيط رفيع يربطنا من بعيد بهم؛ بالذين ذهبوا و لن يعودوا ..
ربما فِعلٌ ما آثروا أن يتركوا بنا أثره, كلمات ربما, أو أي شيء .. تلك الذكريات التي تُشع كلما حضرت سيرة من رحل.. المصابيح التي تُضيء "في الداخل" تملؤنا بشعور ما.. امتنان, حب, أو بهجة أو حتي انقباض في القلب .. أثرٌ ما يبقى ليُصّر علي أن يجعل لهم حضور .. تلك المواقف المتشابهة التي عشناها معهم ..
Deja Vu "شوهد من قبل" ..
يحدث شيء ما , تشعر أن التجربة هذه قد مرت بك من قبل .. أن المشهد يتكرر .. وأنك تعرف النتائج مُسبقًا !

هل يبدو لأي من تلك الكلمات معنيً بالنسبة لك ؟! لأني لا أفهم شيئا, حاولت و فشلت .. كثيرا ...

هل فظاظة الحقيقة تتمثل في أننا ننسى من رحلوا .. أن الحياة تسير بدونهم, نأكل, نضحك, نخرج, نتزوج و ننجب ونموت .. كل الأمور التي تخيلنا أننا سنشاركم إياها؛ استطعنا أن نفعلها بدونهم !؟ 
هل هذا ما يجعل الأمر بشعًا أم ماذا ؟ هل هو تخيلنا أن الحياة كان لابد لها أن تتوقف عند رحيلهم .. أن تترك مُتسعًا من الوقت لنحزن .. لنُخبر العالم عنهم .. لنقول كم كانوا مميزين و رائعين بحق ؟!
أم أن البشاعة تكمن في إحساسنا بأننا تخلينا عنهم ؟! أننا لم نمنحهم حقهم من وقتنا و حياتنا كما فعلوا هم مُسبقا معنا ؟!
أي هذه الأمور أسوأ ؟؟!
.............

تبدو أفلام الحروب الأمريكية و كأنها تحاول جاهدة أن تجعلنا نتعايش مع الموت , الدمار , القتل , التعذيب , الدماء , الخوف والظلم وكأنها تحاول أن تُصالحنا علي كل تلك المعاني .. تجعلنا نتقبلها لتصير جزءًا من حياتنا .. القدرة علي إظهار الظالم "الديكتاتور _ الطاغية" في صورة البطل الذي يُضحي من أجل بلاده .. من أجل حرية شعبه .. و رفاهيته .. وكأن المقايضة دائما بين الطغيان والظلم لبعض الشعوب أو الناس في مواجهة الحرية و العدل و الرفاهية لمجموعة أخري لابد أن يكون شيئًا مقبولًا و عقلانيًا تماما !!
قلب الموازين و إغفال الحقيقة في سبيل نشر فكرة أو قيمة ما تخصهم فقط ..
صناعة الأبطال .. أبطالهم .. أيًا كان الثمن الذي تم دفعه من دماء البشر و حيواتهم !!!
أصبحت أمقت كل هذا ..

في فيلم Enemy at the gates  تبدو المأساة أكبر ..!
القتل دون شفقة أو رحمة .. دون أن يرمش جفن لمن يمسك البندقية و يُصوب تجاه (الهدف) !

يحكي ( فاسيلي ) لـ ( تانيا ) كيف أن كل الوجوه التي يقتلها تُصر علي العودة .. تعود مُجسدة .. حقيقية ! يحكي أن المعركة تتحول من الأرض إلي عقله .. تهاجمه الوجوه أثناء نومه .. تمنعه من الحياة !
كانت التضحية في النهاية بـ ( ساشا ) .. الطفل الذي حاول أن يفعل الصواب "من وجهة نظره البريئة" .. و الذي دفع حياته ثمنًا لألواح الشكولاتة !
.............

دائمًا ما اتساءل عن المغزى من كل شيء يحدث, أو لا يحدث ؟! ولكن؛ لِمَ يجب أن يكون لكل شيء مغزى ؟!! لم لا تكون القضية في أن الأشياء تحدث لأنها تحدث .. فقط ! لأنها مُقَدّر لها أن تحدث .. لأنها تسير في المسار الذي تعرفه هي والذي لا نفهمه نحن أو نستوعب طريقة سيره !!!

فقط تحدث .. نعيش .. و تمر الأمور بسلام ! دون مزيد من الأسئلة التي لم, ولن تمتلك إجاباتها !

الخميس، 4 ديسمبر، 2014

بين بين

ماذا بين "لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ" .. المائدة (28)
وبين "فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ" .. البقرة (191) ؟
...
كان السؤال واضحًا _عن الأحداث الحالية في مصر_ يعني أنت ممكن ترفع السلاح و تقتل حد ؟! 
_ لو رفع سلاح عليا.. آه !
... تدهشني الأحداث في مصر .. تدهشني قدرتها علي إظهار كم القذارة التي نعيشها يوميًا دون أن ندري .. 

قرأت مرة عن بحث تم إجراءه في إحدي المدارس أو الجامعات .. تم تقسيم مجموعة من الطلبة إلي مجموعتين .. مجموعة "عسكر" لن يحاسبهم أحد علي شيء مما سيفعلوه .. مما سيفعلوه بالجزء الآخر من الطلبة و هم "المساجين" .. يكتب الباحث عن إندهاشه من القسوة والعنف الذي ظهر من مجموعة الطلبة "العسكر" تجاه زملائهم خاصة مع معرفتهم أنه لا رقيب ولا محاسب علي ما سيبدر منهم ..
"لَستُ متخصصة في السياسة أو علم الاجتماع و اكتب هنا عن انطباعات و أفكار شخصية لا أكثر" ..
ينطبق ما سبق علي ما يحدث في مصر من بعد 25 يناير .. أو سأتحدث بشكل خاص عن الفترة ما بعد 3 يوليو .. كم الانحطاط و القذارة و .... التي رأيتها في أحاديثي مع الناس أو في المظاهرات التي حضرتها أو حتي علي حوائط الشوارع لا يمكن وصفها ..

لا يمكن أن يكون كل هذا ظهر من العدم في شخصية "المصري" المحترم "المتدين بطبعه" !
ربما يشرح المثال السابق كيف يمكن لهذا أن يحدث فجأة .. لكن .. يظل جزء ما من القصة غير مفهوم بالنسبة لي .. و لم يوضحه سوى السؤال الأول ..
_ ممكن ترفع سلاحك وتقتل ؟!
_ _ آه .. يعني أنتي لو حد رفع عليكي سلاح عشان يقتلك مش هتقتليه ؟!

كانت الإجابة التي ظهرت حينها أن "لأ طبعا .. أموت أحسن" .. لكن الإجابة "للصراحة" لم تكن مٌقنعة بالنسبة لي كمثال عام ..
نحن مُطالبين بالدفاع عن أنفسنا إذا ما اعتدي علينا أحد .. لكن ما يحدث الآن هو قمة الفوضي .. لا أحد يفهم شيئا .. الحق ضائع .. الباطل متداخل مع كل شيء ..
الآيات السابقة وضعت الحروف فوق النقاط بالنسبة لي علي الأقل ..
قرر هابيل أنه لن يَمُدّ يده ليقتل أخاه .. حتي لو حاول أخوه قتله ! .. لن يفعل .. و هذا ما جعل لإجابتي معني .. نحن لسنا في حالة حرب مع معتدي .. نحن نحارب أنفسنا .. لا أريد أن تكون لي في تلك الحرب يد ..

لا أعرف ماذا سيحدث في الواقع .. ماذا إذا وُضعت في مواجهة حقيقية مع الموت ؟! ربما تظهر الشريرة بداخلي لتقرر إجابة أخري ..
لكن حتي الآن .. سأبحث عن إجابة أخري تستكمل ما سبق ..

الأربعاء، 3 ديسمبر، 2014

في حب الأشياء الخفيفة؛ حدّ الموت !


منذ أيام, والكلمات تُحيط نفسها بغموض غريب عنّي.. أسوار و حصون أقسمت منذ أشهر علي عدم اقتحامها عنوة, بل تركتها تتفتّح لي متي شاءت, وبالكيفية التي تريد... لكن الأمر كان الأسوأ علي الإطلاق من بين الفترات التي خاصمتني فيها الكلمات.. كنت أريد الكتابة بشدّة, كما لم أُرد من قبل .. الكلمات كانت تنهشني من الداخل بينما تُخرج الأسطر البيضاء لسانها و تحلف 100 يمين ألا تمتلئ .. ألا تُطيعني.. و لو لتلك المرة فقط !

الآن ليس الوقت المناسب للحديث عن مساوئ الكتابة أو عن الجفاء الذي يحدث بيننا لأجدني دفعة واحدة في أحضان الفراغ التام.. لأجدني, منذ أشهر, عاجزة عن كتابة صفحة كاملة تُعبّر عن شيء مما أريد الحديث عنه, فقط أسطر متناثرة هنا وهناك.. باردة وعير منتظمة, والأسوأ .. غير عابئة بما أريد أن ألفظه خارجي حقًا ..!

بالأمس, كنت أريد ان أكتب عن رضوى .. زينب .. و هيثم ...
الثلاثي الذي كانت تدور حوله حياتي في الأيام القليلة الماضية.. و رغم أن القطيعة لازالت متواصلة بيني وبين حروفي فربما تبدو تلك التدوينة كمحاولة أخيرة لكسر الرهبة التي نشأت علي غير وعي مني خلال أشهر طويلة سابقة قضيتها مُنقطعة عن أي محاولة لاختراق أسوار الكلمات و إزالة الحدود التي وضعتها أمامي .. الرهبة التي جعلتني أخشي الكتابة, و الورق, و كل ما يمت للتعبير عن الصراعات التي تدور علي أشدها بداخلي وتأبى التوقف.. او حتى إعلان هدنة قصيرة أستطيع فيها لملمة حياتي المبعثرة .. و الرحيل بهدوء.
 ..................

لا يحق لي الكتابة عن زينب.. ليس فقط لكوني لم أعرفها أبدًا .. و لم يجمع بيننا أية وسيلة تواصل سوى ذلك الانكسار الذي حلّق في السماء ولم يهبط منذ رحيلها...
يبدو هذا غريبًا بالنسبة لي.. لأني تساءلت كثيرًا عن الفارق بين القائمة الطويلة من الذين قرروا إنهاء حياتهم علي مدار الثلاث السنوات السابقة .. و بين زينب بالذات؟!
هل لأنها كانت قريبة من كثيرين أعرفهم؟ هل لأنها كانت قريبة من هيثم بالذات و الذي يؤثر في حياتي بشكل أو بآخر؟ هل لأنها كانت "واحدة مننا" ..؟ لأنها كانت تملك أحلامنا بوطن حر.. و حياة عادلة و كرامة و بلا بلا بلاااا ...؟ لأنها امتلكت معنا رغبة إحداث تغيير ما؟ لأنها عاشت معنا الخذلان لحظة بلحظة وأدركت مثلنا أن الأمل في الإصلاح ها هنا أصبح بعيد المنال؟!!
لم شكّلت تلك الحادثة بالذات فارقًا بالنسبة لي انا التي كنت أسخر من تعاملنا مع من سبقوها لنفس الفعل .. من الردود الثابتة عليها .. من الأحكام المُطلقة التي يرميها الجميع وكأنهم ممثلون عن الخالق و حاملين لصَكّ غفرانه أو عذابه !!
أنا التي كنت أري الانتحار يومًا ما حلًا بسيطًا يختصر كل الطرق.. و التي كنت أصمت أمام كلمات الناس عن مدى سذاجة المنتحر الذي خسر دنيته وآخرته .. لأني ربما في مكان ما داخلي كانت تتردد عبارات كـ "الله أرحم بكثير منّا" أو أن "الانتحار هو ظلم للنفس وحده خالقها يُحاسب عليه و ليس أي بشر مهما كان" ....

لم قامت ثورة بداخلي بعد رحيل زينب؟!!
ربما "كما قلت لصديق" لأنها فتحت الباب علي مصراعيه للكثيرين كي يحذوا حذوها .. الكثيرين منّا .. الذين كانوا يتسندّون علي كلمات غرباء عنهم في الواقع .. ولكنهم قريبين كفاية من الروح بكلماتهم .. بابتسامتهم .. بأفعالهم البسيطة التي تقول دائمًا أنه إذا كانت الحياة علي هذه الأرض مستحيلة, فهؤلاء فقط هم من يجعلونها ممكنة .. هؤلاء الذين يحاربون في سبيل قضية ما _تتعلق دائما بغيرهم من الخلق_ حتي لو كانت القضية خاسرة وفقًا لكل الظروف والحسابات والأحداث العجيبة التي نحياها ...

و بينما كان رحيل زينب لا يزال تدور حوله "داخلي" الكثير من علامات التعجب والاستفهام .. جاء رحيل رضوى ....
جاء ليجعل لكل هذا معنيً غريبًا لم أكن اتخيل أن يكتسب قيمته أبدًا من الموت !
الموت الهادئ .. رغم المصاعب.. الرحيل.. المعارك.. السفر الطويل.. الانتظار البغيض للأحبة.. و رحيلهم في النهاية قتلى أو مرضى أو مُتعبين حدّ الموت...

رحلت رضوى بابتسامتها التي اعتدت رؤيتها دائما في كل صورها ... بكلماتها التي كانت كفيلة بإخبار كل شيء عنها حتي وإن لم تكن تعرفها "شخصيًا أو تربطك بها أية وسيلة تواصل .. و لن تكون" .. بحكايات مريد عنها و قصص تميم اللذان يخبران كل شيء ...
ذلك الرحيل الذي لم يصاحبه صخب .. أو بكاء مصطنع لنجوم السينما أو (كبار رجال الدولة) ... لم تصاحبه الكاميرات الكثيرة عن اللازم .. فقط ما ينقل الحدث علي قدر هدوءه و صدمته ...

قصة حبها لمريد .. و حب مريد لها .. تلك القصة التي احتلت تفاصيلها لحياتي و مخيلتي منذ تعرفت لبعضٍ منها .. منذ رأيتها مع رام الله بكلمات مريد و صوت تميم يشرح حكاياتها الأكثر جمالًا لملامحها الخفية ...
.................

كثيرًا ما تخيلت أشكالًا مختلفة لرحيلي.. لكن .. علي انكسار يوم رحيلها .. رجوت أن يكون رحيلًا كهذا ...
رحيلًا بعد معارك طويلة في سبيل الغاية المنشودة .. حتي وإن لم أصل .. "رحلت علي الطريق" .. هكذا سأخبر ربي ... رحيلًا بعد ترك أثر.. بصمة تجعل أناسًا لم أعرفهم يومًا _ولن أفعل_ يدعون لي بالرحمة .. و يخلدون الذكرى بهدوء مُحبب للنفس ...
رحيل يترك قيمة في حياة ابن أو ابنة .. يجعلهم يُكملون الطريق .. يجعلهم علي العهد .. حتي تجمعنا النهايات ...
رحيل هادئ وبسيط .. دون دويّ سوى في قلوب المُحبين .. علي صمتهم .. يجعل لحياة تركتها معنيً و بقاء .
.................

يجمع هيثم تلك القصص بروابط خفية .. دون أن يدري .. و يُلقيها في وجداني فتنبت رغبة في مواصلة طريق بدأ منذ سنوات و لم يُستكمل .. طريق ضاع مني كما ضعت منه .. ولازلت لا أعلم إليه سبيلًا .. ولازالت الإشارات إليه غير واضحة .. ولا زال ( هو ) _أيًا كان هو_ بعيدًا بما يكفي ليُكسبه كل هذا الحماس المطلوب للمقاومة ...

و لا أزال اتساءل _منذ أن رأيت الكلمات عند هيثم_ .. كيف يمكن للقلب أن ينصلح و فيه كل هذا وأكثر كثيرًا ؟!
كيف للحال أن يهتدي للصواب إن كنا نجهل الطريق, ونضلّ الإشارات و نتعثر في الخطى علي غير هداية أو رؤية .. أو غاية ؟؟!
.................

كان كلًا من رحيل زينب الصاخب, و رضوى الهادئ يُبعثر حبّات القلب, ويترك فيه أحجية أخري تنتهك التعب, و تُثير حفيظة التساؤلات التي أود أن أُسكتها للأبد . . .
و رغم صمت الكتابة, إلا أن الكلمات تدور في الأفق دون أن امتلك القدرة علي اصطيادها او اتباع أحدها أو حتي خداعه في سبيل الوصول للبقية .. فعندما أُمسك طرف الخيط و أرى بوادر كتابة تلوح في الفضاء, تصطدم الحروف بعضها ببعض مُحدثة صدىً من الغضب المتزايد بلا سبب, والذي يجعل الكلمات تتوه مرة أخري في محيط من الحيرة لازلت غير قادرة علي إيجاد كلمة سر ولوجه و الإبحار داخله وإستخراج ما أريد ان أقول .. ما أريد أن أخرجه لأستريح .. أو ربما لأفهم .. أو فقط لأوثّق لحظة _ربما_ ستُرشدني في حياة أخري لنور الله الأبديّ .
.................

 انهيار اللحظة في سبيل إيجاد معنيً غائب, أو قيمة للطريق, أو غاية يرقُّ لها القلب ويحتمل من أجلها الحياة ويهون في سبيلها كل هذا .. وأكثر .
البحث الذي يفشل دائمًا في الواقع, فيتجه للكلمات كحلٍ نهائي ووحيد لإيجاد مخرج من الحيرة الدائمة بدون هداية أو وصول ..
كل هذا يبعث علي الصمت أكثر و محاولة الخروج من الدائرة التي تقتلنا جميعًا بهدوء و استمرارية دون كلل أو حزن ..
ولكن شيئا لا يُفلح .