الخميس، 12 فبراير، 2015

مشاع


كتبتِ لي ذات مرة: (لأجله), في تعليق على كلمات انطلقت على غير إرادتي لتبوح بمكنون الروح. لم أخبرك عندها, كما أخبرت هيثم مثلًا, أنه: "أضاء روحي" بالفعل يا سارة! وأن النور الذي أسهبنا في الحديث عنه تَخيُّلًا وحكاية كان يفيض بداخلي دون أن أراه, لكن أثره ظهر جليًا كما لاحظتِ..

تعلمين يا سارة أن السير بثبات على الطريق, وإن كان معوجًّا وعرًا, يتطلّب خفة في الروح, ويقينًا صادقًا ينبعث من إيمانٍ حقيقي؛ بالله, بالنفس, وبالخير الكامن في هذا العالم وإن لم نجد أثره..
وتعلمين مثلي أننا لم نعد نمتلك مثل هذه المقومات, بل الأسوأ, أننا لم نعد نمتلك الرغبة في زرع نبتة طيبة بداخلنا تُثمر بعد قليل أو كثير من العمر شجرةً طيبةً ثابتة الأصل غنية الأغصان تُطل على العالم بالظل والخير..

تعلمين..؟!
كل المحاولات للقيام والمواصلة _قبله_ كانت تبوء بفشلٍ مبهرٍ في تكراره وعزيمته على مواصلة الحياة. والغريب أنه لم يفعل سوى أن أزاح بعضًا "أو كثيرًا" من الغبار المتراكم على الفرحة والصبر والحب الموجودين _بالأساس_ في نفسي.. هو فقط عرّفني عليّ مرة أخرى جديدة.. دون موعدٍ مسبق, ودون تجهيزات من جانبي أعُدُّ فيها العُدًّة وأقيم الحصون المنيعة لأمنع نفسي من الولوج إليّ!
أوقفَ كل هذا وأراني ما هو موجود بالقعل, ثم رحل بهدوء ودون سابق إذن, كما أتى...
...

نحن مدينون لأنفسنا بالكثير يا سارة.. لأنفسنا أولًا, ثم لهؤلاء العابرين الذين يحملون قبسًا من نور الحكمة والرحمة التي تكفي لتمنح غريبين مثلنا أمانًا كافيًا للحب.
...

كتبتُ تلك الرسالة بالأمس يا عزيزتي.. ولم أستطع إرسالها, ليس لأنني بالفعل كنت قد سجلّتُ حضوري برسالة أولى لأحمد كما رأيت.. ولكن لأنني أردت أن أضيف عليها حروفًا لم تسعفني الكلمات لروايتها.. كأنني أود الكتابة "مرة ما" بالعامية؛ رسالة, أو عدة رسائل, أُطْبقُ فيها على الكون بالكثير من الحكايات التي لا تُقصّ سوى على "المصطبة" في حضرة الجيران أو الأصدقاء وبرفقة الحطب المشتعل وأكواز الذرة المشوية, والدفء والحنين والحب والجمال الصافيين كنبع ماء من الجنة..
أو أنني في المرة الأولى التي سأراكِ فيها _في القاهرة بالذات_؛ سأحتضنكِ بشدة وسنذهب معًا, لمسجد الحاكم أو للسلطان حسن أو لحديقة الأزهر مثلا.. وسنروي الحكايات الطويلة عن كل شيء..

أو ربما لأخبركِ للمرة المليون أن الحياة صعبة يا سارة.. لكن بعض اللحظات تجعل لها قيمة لا يمكن معها سوى التصبّر والمواصلة.. كالرسائل التي تأتي على غير انتظار "وتكون لجمال حظنا ليست من شركة الهاتف أو من موقع ما تشترك في رسائله على الايميل".. أو كالانتصار على الخوف مرة, والخوض في غمار المجهول, والنجاح مثلًا.. كنسائم الصباح الأولى يا سارة, وآيات القرآن تخاطبكِ وتقول: الله يعلم. أو صبرًا جميلًا يا فتاة.. كالمطر بعد أيام متربة ومليئة بضيق التنفس وضبابية الرؤية والكثير من الوحدة والحيرة.. كسجدة قريبة, وفرحة دعوة تُستجاب بعد طول انتظار..
كـ حضن الأحبة..
...

منذ الأمس وأنا أحاول إيجاد طريقة ملائمة لإنهاء رسائلي هاهنا.. وهو أمر آخر _إلى جانب البحث عن عنوان جيد أو ملائم على أقل تقدير_ يصعب عليّ فعله.. لهذا سأدع النهاية لكلماتكِ, وسأبحث فيها عنّي وعنك..
كوني بخير يا فتاة الأنوار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق