الأحد، 15 فبراير، 2015

كالغيث..


تسألني سارة : علام تتعكزين ياهند؟! فأضلُّ الطريق تمامًا يا هيثم!
...

منذ عدة أيام؛ إلتقيت بشخص أعرفه منذ سنوات, وحالت بيننا الظروف. كان يتحدث عن حياته وتطورها, وعن المدى الذي وصل إليه في سبيل تحقيق حلمه.. ثم باغتني بسؤال عن حلمي.. ما هو؟ إلى أين وصلت؟ ما الذي تفعلينه الآن؟!.. توقفت عن متابعة كلامه وسرحت بعيدًا جدًا...
...

يذهب الشغف ويجيء يا هيثم.. تجدني فجأة مُعلقة بنسج من خيال يرتبط بحلم واضح, أمنية شبيهة بنجمات السماء؛ تلمع من بعيد بشكلٍ ساحر وبينما تقترب منها؛ تضل الطريق!
السماء مفتوحة على مصراعيها يا هيثم! دون حدود أو قيود.. ليس هناك من يخبرك أن عليك أن تتخذ الطريق الفلاني لتصل للنجم القطبي, أو يجبرك على أن تسلك طريقًا ما لترى القمر بشكل أفضل! الخيارات مفتوحة, وعليك أن تختار, وتتحمل المسئولية في النهاية.

يتلون شغفي بألوان قوس قزح, ويزيد عليها ألوانًا لتقلبات الحياة والمزاج وكمية الأموال التي امتلكها ومدى تقبّل والديّ لما أفعل... والكثير من الاحتمالات الممتدة حتى اللانهاية وما بعدها..
ومع كل لون, تظهر اهتمامات جديدة, وحياة مختلفة, وسلوكيات لا تزيدني "والمقربين مني" سوى حيرة على حيرة!
يخشى والديّ عليّ من أحلامي, وأتقبلها أنا بسعة العارف أن يومًا ما سأجد ما أريد حقًا, وعندها ستصبح كل تجاربي السابقة خبرات عزيزة تنفع ولا تضر. لكن السؤال عاد بي للتوهة من جديد.. أين أنا الآن؟!

"سأكتب يومًا عن والديّ, وإن كنت أهاب ذلك اليوم بشدة يا هيثم. قرأت مرة ليوسف إدريس تقريبًا عن فكرة أن الأبناء عندما يكتبون عن حياتهم مع والديهم والتجارب التي مروا بها معهم _خصوصًا إذا كانت تجارب مؤلمة تخشي في الأساس من الحديث عنها فما بالك بكتابتها علانية على الناس! المهم أن تجربة الكتابة في مثل هذا الطريق قد تكون أسوأ ما يكون لكاتب ما أن يفعله.. لم أتخذ القرار بعد.. وليس هذا هو موضوعنا بأية حال".

كنت أرى تطور "الشخص الذي سألني قبل بضعة سطور", حياته وعمله وغيرها من الأشياء.. ظهر هذا جليًا في كل تصرفاته, وكنت أرى هذا واتساءل: ماذا عنّي؟! ما هو التطور الذي وصلت إليه؟!

فاجئتني الإجابة اليوم في تعليق أدهشني.. التطور الذي وصلت إليه بالفعل _والذي لاحظته أنا ولمسته في تعليقاتك كذلك يا هيثم_ كان في كتاباتي! هل يكفي هذا؟!
...

علام تتعكز يا هيثم؟!
...

أتدري..؟!
بعد "الليزيك"؛ صارت رؤية التفاصيل _البعيدة بالذات_ أمرًا أشبه بالمعجزة التي تحدث دون طلب..! 
في طريق عودتي "من الشرقية"؛ حيث المتابعة مع الطبيب؛ تمتد الطرق على الجانبين, تحمل مرةً غيطانًا واسعة وممتدة على مرمي البصر, خضراء بهية, تفيض على الكون جمالًا وحسنًا, وتسر العين والقلب يا هيثم.. كانت رؤيتها شفاءًا لروحي!.. ثم مرة أخرى يحمل الطريق صحراء جرداء, ترى ببدايتها أسوارًا لمنشآت عسكرية أو يافطة على مساحات صفراء ممتدة تحمل عبارة "أرض ملك القوات المسلحة".. أو تمتد المزارع في نقطة أخرى من الطريق تحمل ثمار البرتقال واليوسفي وغيرها من خيرات الله.. 
رغم النسيان التام للكون طوال أربع ساعات هما عمر الرحلة ذهابًا وعودة, إلا أنك تكتشف أن "الاسماعيلية" هي ثكنة عسكرية بامتياز! أن أغلب الأراضي والمزارع بل وحتى الشركات التي تراها على جانبي الطريق هي ملك للقوات المسلحة! اللعنة! 

بالتأكيد لا اكتب الآن لأخبرك عن مدى الخراب الذي نحياه, نحن في غني عن هذا! ما أردت قوله هو أن: السفر متعة, زادت من بهجتها, فرحة الرؤية الأولى للتفاصيل التي كانت خافية عن العين حتى بوجود "النضارة"..
...

يلومني علاء على إغلاق الفيس فترات طويلة, وله كل الحق في هذا.. حتى وإن دافعت عن نفسي عندها فأنا أعلم تمامًا أني أهملت القريبين مني والذين أصبح الفيسبوك هو وسيلة تواصلي الوحيدة بهم..
...

أهملت سماعات الأذن ياسارة منذ فترة طويلة.. خاصة في وسائل المواصلات العامة.. خاصة في "أتوبيس مستشفى الجامعة.. ربما إذا أتيتِ مرة ما للاسماعيلية فسنركبه معا.. هو تلك الوسيلة التى تحمل فيها "الغلابة" يا سارة.. تحمل أرواح خفيفة على امتلاءها بالألم والحزن, لكن تسُرُّ بكل هذا لله وحده ثم تعود لتحيا على أمل لم يأتِ منذ الأزل يا سارة, وربما لن يفعل..

"هذه رسالة لهيثم, أعرف.."
...

اتعكز على تلك اللحظات.. النظر في وجوه الناس ورؤية الله.. دقائق أو ساعات "التهييس التام" مع إخوتي عندما نفقد إحساسنا بالزمن والناس وننطلق في فكاهة لا تفهم معاناة الحياة وقسوتها.. القراءة التي تذهب بي لأعماق كاتبها, تُريني تفاصيلها الأكثر سرية دون أن ينطق بها الكاتب, وتعود بي للحظة الحالية وأنا على يقين أنه لم يكن في الإمكان أبدع مما كان.. وربما العكس!.. وجود الأصدقاء, أصدقاء الروح الذين يعرفون أن "الروح" لم يعد بإمكانها تحمل المزيد من العبث فصاروا يحترمون المسافات بينما يضفي قربهم _رغم بساطته وبُعد تلاقيه_ على الزمن أنوارًا وجمالًا وبهاءًا كافيين لتحمل ما يَبدُر من العالم..

اتعكز على بقايا الذكريات التي تصنع ملحمة أبدية للفرح والحب.. على اليقين بأن الحياة هي حياة.. ليست جنّةً.
...

ربما هذه هي الرسالة الوحيدة التي اخترت عنوانها بدقة! ..
كالغيث أنت يا هيثم. دائمًا ما تترك بصمة ما, أو هكذا أتخيلّك, أينما حللت تبذل ما يمكن من النفع.. لن أطيل الحديث في هذه النقطة, تعرف السبب..

ما أريده قوله في النهاية؛ أني أدين لك يا هيثم برسالة أخرى, تخُصّك وحدك.. أن تلك الرسالة مُحمّلة بالـ "لخبطة والشك".. ربما لأن التعليق السابق أربكني كثيرًا, فلم أعد أعرف كيف يمكنني الاستمرار الآن! وإن كنت فهمت كلماتك أكثر عندما كتبت أنك أصبحت تكتب لنفسك!
أدرك الآن المعنى المقصود. أفهم الآن يا هيثم, بعد كل هذا الوقت أني أبدع أكثر, بل أتميز, عندما تخرج الكلمات سلسة من القلب لا تبغي سوى أن تصل لقلب مُحدثها.. وهي في طريقها تعرف يقينًا أنها تحمل محبتي وإيماني.. ورغبتي في الحياة من خلالها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق