السبت، 21 فبراير، 2015

رسالة إلى اللـه*


عزيزي الله...

في البداية أريد القول أن تلك هي الرسالة الأولى والأخيرة التي ستُكتب هكذا علانية.. ثم؛

لعدة أيام سابقة؛ اكتشفت أن وجود البشر لا يُعَّول عليه..!
لا يعني هذا أنه لا فائدة من وجودهم؛ بل العكس تمامًا.. أعني أن وجودهم "على أهميته" لم يعد يختزل الحياة في معاني محددة تقتصر قيمتها عليهم فقط. المعاني أصبحت تتخذ أبعادًا أخرى..

ما أود قوله هو التالي.. "كما أعتقد".. فالاعتماد التام على البشر.. الأقرباء, الأصدقاء, الأحبة, زملاء العمل, وحتى هؤلاء الذين لا تجمعنا بهم سوى الرسائل المتباعدة.. الاعتماد عليهم أصبح غير مُبشِّرٍ بالخير..! تعلّق القلب صار مُتعبًا وسخيًا في عطاءه للألم.. ومع هذا لا يزال القلب يتعلق.. ولاتزال النفس تُعَّول على وجودهم!
...

الشتاء يا الله يودعنا بجرأة من ليس لديه ما يخسر.. لسعة البرد تذهب بدفء الروح وتتركنا محملين بالأسى. تتركنا عراة وسط الحزن والمطر.. وسط ذكريات وحنين لمن يقبعون خلف أسوار وعتمة الزنازين في هذا الصقيع, ومن يسكنون الشوارع..
لا نملك القدرة على الشكوى؛ خجلًا وحياءًا منهم ومن أنفسنا! ولا نملك لهم شيئًا في المقابل! نحن غرقى بالذنب.

السماء هذه الليلة رمادية, بحُمرة خفيفة.. ودون نجوم. السحب تتكثف حاملة معها الغيث, والدعوات.
رمادية السماء تبعث على الفرح, وحُمرتها لا تفعل!, وكأنها تنذر وتتوعد.. وبينما تتبلل الأرض وتكتسي بالمياة والطين, بينما يختبئ الناس خلف الجدران؛ تضطرب القلوب!
آمال بتحقيق الأحلام, أمنيات ودعوات بعودة الغائبين, وانتصار العدالة, صور مضطردة عن الأحبة.. والمستقبل.. والجنة... ومناجاة خفية عن البشر يبوح بها القلب مباشرة وتفضحها نظرات متتابعة نحو السماء, واختفاءات غامضة يتسلل فيها القلب والجسد بعيدًا عن صحبة البشر لفضاءٍ متسع يغتسل بحبات المطر..
...

الحقيقة يا الله أني أفتقدك! أفتقد تلك الأيام التي كنت أستشعر فيها وجودك لجواري دائمًا.. والحقيقة كذلك أن جزءًا لا يتجزأ من هذا الشعور مرجعه هو تلك التربية التي تعودنا فيها على انتظار عقاب الإله مع كل لمحة خاطفة من أفعالٍ لا تنال رضى "الكبار" ولا تتناسب مع ما يرغب فيه الناس, فصارت فكرة العذاب والبُعد عنك مقترنة بكل شيء؛ حتى ابتعدنا بالفعل! حتى ضلَّ مِنَّا الطريق.. ولم نعد نعي الحقائق أو الأولويات أو الصواب..

ولا أكتب هنا لأنحاز لجانب من الناس أو لألوم طرفًا ما.. بل اكتب لأقول أني "وبعض ممن تعرفهم ممن يشاركوني هذا الشعور بالضياع", بلغ منّا الجهد مبلغه! وأصبحا غير قادرين على المقاومة أو البقاء والتحمل.. أو حتى الحلم بتلك الأماني البسيطة؛ كقطعة من الشوكولاتة تذوب معها أحزان الروح أو برائحة البحر تغدو نسيمًا عطرًا يتجمل به القلب ويسهو عن معاناته..
...

ما جعلني أبكي في أول يوم لعملية الليزيك كان قضائي لساعات طويلة وحيدة في غرفتي المظلمة..! وحيدة تمامًا دون قدرة على الرؤية أو طلب المساعدة.. ولم يعينني على التوقف عن البكاء سوى وجود أختي.. صحيح أني أردت هذا ولكن لأعترف بالحقيقة.. لولا وجودها على مدار الأسبوع بعد العملية لما استطعت الصمود يومًا واحدًا.. لصرخت في وجه العالم أني لا أريد أني أرى دون نظارتي وأني مستعدة للتضحية بالسفر والعملية والأموال في سبيل عدم البقاء وحيدة!

هذا اليوم فقط, اكتشفت مدى الهشاشة التي يمكن أن أكون عليها بشكل خاص, والتي قد تكون بداخل البشر بشكل عام.. اكتشفت ضعقي وقلة حيلتي مقابل موقف "سخيف" بكل المعايير, إلا معاييري!
...

فقط أريد بعض القوة لتحمل هذا الفراغ القاتل, وتجاوزه.. بعض اليقين للمثابرة.. لا أريد أحلامًا عظيمة وذكريات أسطورية وملاحم ومغامرات طويلة وبعيدة.. فقط لحظات قليلة من الدفء, تغمرني بالحياة.. لحظات من الانتماء, تُعيد إلي ما أثق فيه بداخلي.. تُعيد إلي إيماني..
لا أريد حياة مليئة بالإنجازات الضخمة.. لا أريد إصلاح العالم بعد الآن! كل ما أريده هو إنجازات بسيطة ولطيفة.. كفرحة طفلٍ بلوح شوكولاة أو بالون أو كوب آيس كريم.. كبسمة مضيئة تعرفني وأعرفها.. تنير الطريق لمن أحب.. كدعاء صادق أعرف كيف أنطق كلماته دون الاكتفاء بالنظر الصامت والمحمل بالعبء.
...

أريد أن أعرفك.. وأن أدل عليك.. بما أمتلك.. بما وهبتني. فقط لا غير.
.....

* في المرة الأولى التي رأيت فيها عنوان "رسالة إلى الله", وكانت في كتاب "شيء من هذا القبيل" لإبراهيم أصلان, أعجبني العنوان بشدة.. أسرني وتمنيت أن أكتب يوما ما, ما يحمل نفس العنوان.

في "شيء من هذا القبيل" كان إبراهيم أصلان يحكي قصة مواطن مصري قد هدَّه الفقر والحاجة لوظيفة يسد بها رمقه وتكفيه ذل السؤال, ولما لم تسعفه الوسائل فقد قرر أن يذهب إلى الأصل.. أن يبعث بجواب إلى الله يطلب فيه _بخطِ ركيك وكلمات مبعثرة_ وظيفة له ويحكي فيه معاناته.. وكان إبراهيم أصلان يحكي كيف احتال على زملائه في مكتب البريد لتنتهي الرسالة مع نهاية اليوم, في جيبه عائدة معه للمنزل لتظل سنوات بعد هذه في كتاب ما, ويكتشفها صدفة وهو يرتب عزاله ليرحل من منزله.
...

أجزاء من هذه الرسالة تحمل توقيعا بيوم 19 فبراير 2015.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق