الأحد، 15 مارس، 2015

أمرٌ طبيعي!


حسنٌ؛ لنتفق في البداية أن كلًا منَّا سيتعامل مع الكلمات التالية وكأنها تُقال له وحده. والآن..

يا أمتي يا ظبية في الغار ضاقت عن خُطاها كل أقطار الممالك..
في بالها ليل المذابح والنجوم شهود زور في البروج..
في بالها دورية, فيها جنود يضحكون بلا سبب..

الطبيعي أن نقول أن؛ الصراعات تُحيطنا من كل جانب, تُضيُّق علينا النطاق وتُحاصرنا في مساحات خانقة _ليس فقط من التصرف_ ولكن كذلك من الفكر! وأننا غير قادرون على الاستسلام من ناحية, أو المواجهة من ناحية أخرى.. فقط متوقفون عن العمل "فيما نحب" ومُرغمون على خوض غمار معارك لم نختارها في سبيل حياة لن نحياها, ومن أجل نهاية لا نعلمها! "هل يبدو الأمر سيئًا بما يكفي الآن؟"

للأسف؛ لا. الحقيقة أن الأسوأ هو القادم.. هو الحياة المليئة بالعثرات والكثير ممن يتنظرون "ويتمنون" وقوعك.. ويبذلون الغالي والنفيس في سبيل ذلك _و هم يفعلون هذا "كثيرا" عن طيب خاطر وسذاجة طفولية_ .. هو كذلك الخطط الطويلة التي ستتحطم, أو تحطمت بالفعل, على أعتاب الديموقراطية التي نحياها.. والأمن والأمان الذي نعيش في ظلِّه.. والعادات والتقاليد التي تُجبرك كثيرًا على محاولة القذف بنفسك أمام أقرب "أتوبيس" أو من فوق عمارة "15 دور" تُطل على شارع عمومي تسير فيه السيارت بسرعة 200 كم/ ساعة ولن ينتبه أحدهم لسقوطك "بسبب السرعة" للدرجة التي ستضمن فيها تمزقك إربًا قبل أن يُدرك شخص ما أنك سقطت من أعلى!

هل أسترحت الآن؟!
...

وترى ظلالا للجنود على حجارة غارها,
فتظنهم جِنَّا وتبكي: إنه الموت الأكيد ولا سبيل إلى الهرب..

هل يمكنني القول الآن أننا لا ننتبه كثيرًا لتلك التفاصيل الصغيرة.. كفتاة "صديقتكِ يا عزيزتي", هذه التي تُصر دائمًا على أن يكون مكان وجودها مُحملًا بعبق الجنة, فتنثر الضحكات هنا وهناك, وتبعث الأمل هواءًا نتنفسه ونحياه بوجودها..
نعم؛ هي ذاتها التي يُعاملها أباها كجارية, ولا يدع لها فرصة للتنفس أوالحلم.. وتُضطر لأن تتحمل مرار التواجد معه وعبء المواقف "المُدَمِرة" التي يضعها فيها, وتفعل كل هذا في سبيل أن تُنهي دراستها.. "الدراسة الي تعتبرينها حقك الطبيعي الذي لا يستطيع أحد منازعتك فيه"!

حسنٌ؛ ألقِ نظرة أنت الآخر على هذا الفتي ذو اللحية الخفيفة والابتسامة الماهرة في جعلك سعيدًا.. هذا الميَّال للتواجد مع "المنكسرة قلوبهم" .. المُحب للصحبة, وللفرحة.. والمليء بالعطاء.. هل تعرفه حقًا؟! هل منحت نفسك الفرصة لإلقاء نظرة بسيطة على حياته المعقدة والمُغذاة بالسخط, ومع هذا لم يمنحها الفرصة لتسيطر عليه؟!

لا يُهم..

يا ظبيتي مهلا, تعالي وانظري. هذا فتيً خرج الغداة ولم يُصب!
في كفه حلويً يناديكِ أخرجي.. لا بأس يا هذي عليك من الخروج..
ولتذكري.. أيام كنت طليقة..
تهدي خُطاكِ النجم في عليائه.. والله يُعرف من خلالك.
...

يا أمنا يا ظبية في الغار ما حتم علينا أن نحب ظلامه!
إني رأيت الصبح يلبس زي أطفال المدارس حاملا أقلامه
ويدور ما بين الشوارع, باحثا عن شاعر يُلقي إليه كلامه
ليذيعه للكون في أفق تلون بالنداوة واللهب..
..
ما حتم علينا أن نحب ظلامه!! ولكننا بداخله. ولكننا لا ننظر إلا من سواه, فلا نرى سوى ما نريد, أو ما يريد هو. لا نرى سوى ظل الجنود على حجارة أيامنا الصلبة والعتيقة..! فنتخيل أن الظلام هو الحقيقة الوحيدة التي يمكننا أن نحياها -أن نجدها-! ونصدق مع طول العزلة, والاكتئاب, والصمت والبُعد والدمار الذاتي الذي نُلحقه بأنفسنا أنه لا سبيل للهرب.. لا سبيل للحياة!

أنا لست أعمىً عن كسور في الغزالة,
إنها عرجاء, أدري..
إنها عشواء .. أدري!
إن فيها كل أوجاع الزمان, وإنها..
مطرودة مجلودة من كل مملوك ومالك..!
أدري ولكن؛ لا أرى في كل هذا أي عُذر لاعتزالك!
...

كل ما في الأمر أنه؛ من الطبيعي أن نمر بكل الظروف القاسية, والسيئة.. أن نتألم, ونتغير.. أن نحاول, ونفشل, "كثيرًا"..! أن نحيا على أمل في شيء ما, ونفقده.. أن نفتقد الراحلين, وأن يرحل الأصدقاء "بين الموت والسفر".. وأن تغتال الدنيا أحلامنا وطفولتنا, وأحيانًا.. قدرتنا على المقاومة!
لكن ما ليس طبيعيًا على الإطلاق.. هو هذا الكم من الاستسلام -الذي أحياه شخصيًا كل يوم- والذي يتغلغل في أبسط تفاصيلنا وأمور حياتنا..! هذا الكم من اليأس والرغبة في إنهاء الحياة والراحة -أو ما نتخيلها راحة- من كل المعاناة والتعب..

أعرف أن الأمور تخرج عن نطاق قدرتنا على التحمل, وأننا لا نستطيع كثيرًا أن نتنفس فقط, فما بالكم بالعمل والصبر والمثابرة والمحاولة والإيمان والاستمرار و ....
أعرف مدى صعوبة الأمر! لأني جزء منه..

أدري بأن المرء قد يخشى المهالك..
...

وأدري كذلك أن -مع كل هذا الأسى- لايزال القدر يمنحنا فرصًا تلو الأخرى للنجاة. لا يزال القلب يتسع لحب آخر, وفي النفس ملء جنباتها رغبة في المعافرة.. والسعادة. لاتزال الروح طليقة في مكان ما, تبحث عن حلقة من النور تُنبت يقينًا جديدًا.. بأنه:
"هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة, ما دمنا قررنا أننا لن نموت؛ قبل أن نحاول أن نحيا".**
...

* اسم التدوينة وأبيات الشعر لتميم البرغوثي, ورابط القصيدة:
https://soundcloud.com/mena-mustafa/nmnfghot6edd

* الجملة الأخيرة هي لـ رضوى عاشور.. وهي كذلك الجملة الأخيرة لها في كتابها, أثقل من رضوى.

* اعتذار ضمني "حتى يأذن الله" لتشكيل الحروف -الغير موجود- أنه يتم ضبطه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق