الأحد، 12 أبريل، 2015

من رحمات اللـه .


سلام الله على تلك الأيام التي تتهادى في الرحمة.. وبعد..

أتدري..
في البداية؛ لم أكن أفهم: لم يحب الناس الاستماع لـ أم كلثوم؟! ما الذي يميزها سوى طول مدة الأغنية الذي يبعث على الضجر!
ظللت هكذا طويلًا. ثم؛ في أحد تلك الأيام الطيبة, على طريق سفر, كان صوت الموسيقى يخرج من السيارة بينما أنا سارحة في ملكوت الله دون انتباه لأي شيء بالداخل, كان العالم الخارجي يجذب كل حواسي حتى انتبهت في النهاية أن الموسيقى كانت بداية "أنت عمري" !
كانت أضواء السفر الخاطفة مع ألحان الأغنية وصوت أم كلثوم في الخلفية يجعلاني أرجو أن يستمر الطريق للأبد! "عندها فقط, امتلأ قلبي بالعشق دون أن انتبه!"

في المرة الثانية.. كنت عائدة ليلًا من العمل, كانت ليلة باردة من ليالِ الشتاء الطويلة.. الطريق خاويًا وأنا مرهقة بشدة... كنت على استعداد لفعل أي شيء للوصول للمنزل, باغتني صوتها مرة أخرى.. هذه المرة كان منبعثًا من "محل" على الجانب.. "ورشة لصنع المفروشات والأثاث".. كان الرجل يجلس إلى ماكينته منهمكًا ومستغرقًا في حياكة شيء ما, بينما يُشكل دخان سيجارته مع صوت سومة ألحانًا تسرق الروح!

وددت في تلك اللحظة لو أمكنني الجلوس على الرصيف المقابل, والنظر إليهما طويلًا؛ تخليدًا للحظة, وحبًا فيها .

أتدري..
كثيرًا ما تباغتني تلك الرغبة في الجلوس أمام شخص أو شيء ما لفترة طويلة في محاولة للفهم, أو الاستمتاع فقط.. ولكني لا أفعل! لِمَ لا أفعل هذا؟!
في تلك المرة التي كنت أعبر فيها "السلم الأزرق" مستهلكة من صعوده الطويل والمرهق, ومحاولة إيجاد الجانب الآخر منه بسرعة.. إخترقني صوت رخيم يتلو القرآن!
كان الرجل يجلس في أحد الأركان؛ يرتدي عمامة وجلباب جار عليهم الزمان دون حساب, و تَهِدُّ ملامحه الأوجاع؛ كان يقرأ القرآن وينتظر رزقه من إعجابات الناس وعطاياهم! "كان المشهد دراميًا بالنسبة لي بطريقة لم أتخيلها"! وددت بشدة لو أستطعت الجلوس أمامه والاستماع؛ بينما يُعمل عقلي في المشهد تحليلًا وبحثًا عن سبب قد يفسر الكثير من التناقضات التي تُحيط بنا والتي أثارها المشهد بوجداني قبل أن أمتلك حتى ولو فرصة بسيطة لإيقاف إندفاعها المتسارع لعقلي وقلبي قبله". اللعنة!
...

هذه الأيام أترك البرد يتسلل إليّ على مهل..!
الشتاء ينتهى. يحمل أمتعته استعدادًا للرحيل, وبينما يمطرنا بوابل من حنان الله؛ تبدو نهاياته رحيمة بي أكثر من البداية!
أحاول التعاطي مع حزني, على مهل.. بهدوء وثبات.. حتى لا ينفرط عقد الأحداث من بين يدي قبل أن أعرف أو أفهم أو أمتلك القدرة على إصلاح ما أفسدته قبل نهاية الأوان.
أصبحت أؤمن بالصحبة.. وبالقوة الذاتية في مواجهة الأيام الصعبة, وبجميل صنع الإله وأقداره التي لا نفهمها كثيرًا قبل أن نوهب الحكمة والقدرة على المواصلة لنهاية قصة ما...

في النهاية؛ ترحل تلك الأيام الصعبة حاملة معها الدعوات والصبر الطويل -والجميل أحيانًا-, وتترك لنا ذكريات دافئة وحنين لا يضاهيه سوى بهجة وجود الأحبة.. ومعرفة أنهم أحبة. وكذلك آشعة الشمس يتسلل منها نور الله إلى قلوبنا فيثير فيها الرغبة في الابتسام, نفض غبار الأيام.. والبدء في كتابة قصتنا من جديد, بخبراتٍ جديدة.. ورفقة قوية.. وإيمانًا بأن المسير هو الذي يصنع الرحلة -القيمة منها- وليس النهايات, أيًا كانت!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق