السبت، 21 فبراير، 2015

رسالة إلى اللـه*


عزيزي الله...

في البداية أريد القول أن تلك هي الرسالة الأولى والأخيرة التي ستُكتب هكذا علانية.. ثم؛

لعدة أيام سابقة؛ اكتشفت أن وجود البشر لا يُعَّول عليه..!
لا يعني هذا أنه لا فائدة من وجودهم؛ بل العكس تمامًا.. أعني أن وجودهم "على أهميته" لم يعد يختزل الحياة في معاني محددة تقتصر قيمتها عليهم فقط. المعاني أصبحت تتخذ أبعادًا أخرى..

ما أود قوله هو التالي.. "كما أعتقد".. فالاعتماد التام على البشر.. الأقرباء, الأصدقاء, الأحبة, زملاء العمل, وحتى هؤلاء الذين لا تجمعنا بهم سوى الرسائل المتباعدة.. الاعتماد عليهم أصبح غير مُبشِّرٍ بالخير..! تعلّق القلب صار مُتعبًا وسخيًا في عطاءه للألم.. ومع هذا لا يزال القلب يتعلق.. ولاتزال النفس تُعَّول على وجودهم!
...

الشتاء يا الله يودعنا بجرأة من ليس لديه ما يخسر.. لسعة البرد تذهب بدفء الروح وتتركنا محملين بالأسى. تتركنا عراة وسط الحزن والمطر.. وسط ذكريات وحنين لمن يقبعون خلف أسوار وعتمة الزنازين في هذا الصقيع, ومن يسكنون الشوارع..
لا نملك القدرة على الشكوى؛ خجلًا وحياءًا منهم ومن أنفسنا! ولا نملك لهم شيئًا في المقابل! نحن غرقى بالذنب.

السماء هذه الليلة رمادية, بحُمرة خفيفة.. ودون نجوم. السحب تتكثف حاملة معها الغيث, والدعوات.
رمادية السماء تبعث على الفرح, وحُمرتها لا تفعل!, وكأنها تنذر وتتوعد.. وبينما تتبلل الأرض وتكتسي بالمياة والطين, بينما يختبئ الناس خلف الجدران؛ تضطرب القلوب!
آمال بتحقيق الأحلام, أمنيات ودعوات بعودة الغائبين, وانتصار العدالة, صور مضطردة عن الأحبة.. والمستقبل.. والجنة... ومناجاة خفية عن البشر يبوح بها القلب مباشرة وتفضحها نظرات متتابعة نحو السماء, واختفاءات غامضة يتسلل فيها القلب والجسد بعيدًا عن صحبة البشر لفضاءٍ متسع يغتسل بحبات المطر..
...

الحقيقة يا الله أني أفتقدك! أفتقد تلك الأيام التي كنت أستشعر فيها وجودك لجواري دائمًا.. والحقيقة كذلك أن جزءًا لا يتجزأ من هذا الشعور مرجعه هو تلك التربية التي تعودنا فيها على انتظار عقاب الإله مع كل لمحة خاطفة من أفعالٍ لا تنال رضى "الكبار" ولا تتناسب مع ما يرغب فيه الناس, فصارت فكرة العذاب والبُعد عنك مقترنة بكل شيء؛ حتى ابتعدنا بالفعل! حتى ضلَّ مِنَّا الطريق.. ولم نعد نعي الحقائق أو الأولويات أو الصواب..

ولا أكتب هنا لأنحاز لجانب من الناس أو لألوم طرفًا ما.. بل اكتب لأقول أني "وبعض ممن تعرفهم ممن يشاركوني هذا الشعور بالضياع", بلغ منّا الجهد مبلغه! وأصبحا غير قادرين على المقاومة أو البقاء والتحمل.. أو حتى الحلم بتلك الأماني البسيطة؛ كقطعة من الشوكولاتة تذوب معها أحزان الروح أو برائحة البحر تغدو نسيمًا عطرًا يتجمل به القلب ويسهو عن معاناته..
...

ما جعلني أبكي في أول يوم لعملية الليزيك كان قضائي لساعات طويلة وحيدة في غرفتي المظلمة..! وحيدة تمامًا دون قدرة على الرؤية أو طلب المساعدة.. ولم يعينني على التوقف عن البكاء سوى وجود أختي.. صحيح أني أردت هذا ولكن لأعترف بالحقيقة.. لولا وجودها على مدار الأسبوع بعد العملية لما استطعت الصمود يومًا واحدًا.. لصرخت في وجه العالم أني لا أريد أني أرى دون نظارتي وأني مستعدة للتضحية بالسفر والعملية والأموال في سبيل عدم البقاء وحيدة!

هذا اليوم فقط, اكتشفت مدى الهشاشة التي يمكن أن أكون عليها بشكل خاص, والتي قد تكون بداخل البشر بشكل عام.. اكتشفت ضعقي وقلة حيلتي مقابل موقف "سخيف" بكل المعايير, إلا معاييري!
...

فقط أريد بعض القوة لتحمل هذا الفراغ القاتل, وتجاوزه.. بعض اليقين للمثابرة.. لا أريد أحلامًا عظيمة وذكريات أسطورية وملاحم ومغامرات طويلة وبعيدة.. فقط لحظات قليلة من الدفء, تغمرني بالحياة.. لحظات من الانتماء, تُعيد إلي ما أثق فيه بداخلي.. تُعيد إلي إيماني..
لا أريد حياة مليئة بالإنجازات الضخمة.. لا أريد إصلاح العالم بعد الآن! كل ما أريده هو إنجازات بسيطة ولطيفة.. كفرحة طفلٍ بلوح شوكولاة أو بالون أو كوب آيس كريم.. كبسمة مضيئة تعرفني وأعرفها.. تنير الطريق لمن أحب.. كدعاء صادق أعرف كيف أنطق كلماته دون الاكتفاء بالنظر الصامت والمحمل بالعبء.
...

أريد أن أعرفك.. وأن أدل عليك.. بما أمتلك.. بما وهبتني. فقط لا غير.
.....

* في المرة الأولى التي رأيت فيها عنوان "رسالة إلى الله", وكانت في كتاب "شيء من هذا القبيل" لإبراهيم أصلان, أعجبني العنوان بشدة.. أسرني وتمنيت أن أكتب يوما ما, ما يحمل نفس العنوان.

في "شيء من هذا القبيل" كان إبراهيم أصلان يحكي قصة مواطن مصري قد هدَّه الفقر والحاجة لوظيفة يسد بها رمقه وتكفيه ذل السؤال, ولما لم تسعفه الوسائل فقد قرر أن يذهب إلى الأصل.. أن يبعث بجواب إلى الله يطلب فيه _بخطِ ركيك وكلمات مبعثرة_ وظيفة له ويحكي فيه معاناته.. وكان إبراهيم أصلان يحكي كيف احتال على زملائه في مكتب البريد لتنتهي الرسالة مع نهاية اليوم, في جيبه عائدة معه للمنزل لتظل سنوات بعد هذه في كتاب ما, ويكتشفها صدفة وهو يرتب عزاله ليرحل من منزله.
...

أجزاء من هذه الرسالة تحمل توقيعا بيوم 19 فبراير 2015.

الجمعة، 20 فبراير، 2015

تدوينة خارج النسق.


جزء كبير من رغبتي في السفر بره مصر "أو بره العالم العربي كله" هو الحرية "المفقودة" لممارسة أبسط متطلبات الحياة وأكثرها خصوصية..
يعني مثلًا: عشان أفكر بس أني عايزة أخصص وقت في اليوم للجري, مجرد تخصيص لبعض من الوقت للتخلص من الشعور العارم بالغضب وبالرغبة في تدمير النفس والمجتمع, يعتبر شيء شبه مستحيل!
عشان أفكر أني أخصص وقت لأني أروح المكتبة أو أخصص جزء من "فلوسي" عشان أشتري كتب, أو حتى فكرة أني أقعد مع نفسي شوية بس مش أكتر.. من غير ما حد يزعجني بسؤال سخيف زي "مالك؟!" أو من غير كلمة معتادة عن "أنتي اللي جايباه لنفسك" أو إعادة تدوير لمخلفات التاريخ اللي جار عليها الزمن!
كل ده أشبه بمحاولة السفر للمريخ بعجلة مثلا.. وكفتاة مصرية أصيلة أحب أقول أن: الوضع بائس لأبعد مدى.

على الجانب الآخر.. ملاحظة التطور النفسي "لشخصيتي العميقة", ومع شوية متابعة بسيطة لنفسي خلال اليومين اللي فاتوا.. ممكن أقول أني أصبحت متميزة في التعليقات الأكثر ميلًا للعنف والمليئة بكلمات زي "حرق وقتل وتعذيب .. إلى آخره".. و ده شيء لطيف مقارنة بكمية العصبية الظاهرة في شخصيتي على أرض الواقع والملموسة بشكل غريب من الأقربين..
الفكرة أني اكتشف أن الموضوع مش شخصي بس, لكن منتشر بشكل ملحوظ بين أصدقائي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي حتى بين الناس اللي معرفهمش شخصيًا.. وأكبر دليل على كده أني أفتح المدونة عشان اكتب الكلمتين دول ألاقي التدوينة دي بتقول كل الكلام ده بشكل مبسط أكتر وعام كمان.
...
...

وبعيدًا عن العصبية والحريات المفقودة وغيره..
جزء مهم جدّا من التمسك بالقضية الفلسطينية, من الإيمان بيها, من فهمها ومعرفتها والإجماع عليها.. هو أنها "ثابت" في حياتنا, وعقيدتنا وفهمنا للتاريخ والأحداث والمتغيرات..

ممكن نختلف على الأحداث في مصر.. في الوطن العربي بشكل عام.. ممكن نتناقش ونتجادل ونزعق ونولع في بعض.. لكن الاختلاف في الدفاع عن قضية فلسطين بيكون خارج النطاق.. بيكون غير مقبول.. لأن "المفروض" أن الحق واضح والباطل واضح.. أن في محتل مغتصب للأرض وللحياة.. وللمقدسات.. أن في ظلم بيّن.

يمكن مراجعة بسيطة للفترة اللي فاتت من عمر الحياة في مصر بتوضح كمّ التغيّر في الثوابت.. الخلاف اللي تعدى كل شيء ووصل للتطرف في الاتهام وفي التغاضي عن الظلم.. الجهل اللي بان بأوقح صوره في المجتمع وبين طبقات كنت متخيل أنهم اللي هيقوم عليهم المجتمع "بعد الثورة".. كل ده بيخلي فكرة أني اتكلم مع حد عن القضية الفلسطينية أو عن "غزة" كجزء لا يتجزأ من القضية, ويكون الرد أقبح من أنه يُتخيل.. بيخلي الحياة أشبه بالسيرك.. كل شيء متوقع.. كل اللي عليك تعمله أنك تتفرج.. أو تلعب.
...
...

أي علاقة بين العصبية والقضية الفلسطينية هو شبه غير مقصود.. وأي علاقة بين الحياة والكوكب الأرضي هو أكيد شيء مستحيل.

الأحد، 15 فبراير، 2015

كالغيث..


تسألني سارة : علام تتعكزين ياهند؟! فأضلُّ الطريق تمامًا يا هيثم!
...

منذ عدة أيام؛ إلتقيت بشخص أعرفه منذ سنوات, وحالت بيننا الظروف. كان يتحدث عن حياته وتطورها, وعن المدى الذي وصل إليه في سبيل تحقيق حلمه.. ثم باغتني بسؤال عن حلمي.. ما هو؟ إلى أين وصلت؟ ما الذي تفعلينه الآن؟!.. توقفت عن متابعة كلامه وسرحت بعيدًا جدًا...
...

يذهب الشغف ويجيء يا هيثم.. تجدني فجأة مُعلقة بنسج من خيال يرتبط بحلم واضح, أمنية شبيهة بنجمات السماء؛ تلمع من بعيد بشكلٍ ساحر وبينما تقترب منها؛ تضل الطريق!
السماء مفتوحة على مصراعيها يا هيثم! دون حدود أو قيود.. ليس هناك من يخبرك أن عليك أن تتخذ الطريق الفلاني لتصل للنجم القطبي, أو يجبرك على أن تسلك طريقًا ما لترى القمر بشكل أفضل! الخيارات مفتوحة, وعليك أن تختار, وتتحمل المسئولية في النهاية.

يتلون شغفي بألوان قوس قزح, ويزيد عليها ألوانًا لتقلبات الحياة والمزاج وكمية الأموال التي امتلكها ومدى تقبّل والديّ لما أفعل... والكثير من الاحتمالات الممتدة حتى اللانهاية وما بعدها..
ومع كل لون, تظهر اهتمامات جديدة, وحياة مختلفة, وسلوكيات لا تزيدني "والمقربين مني" سوى حيرة على حيرة!
يخشى والديّ عليّ من أحلامي, وأتقبلها أنا بسعة العارف أن يومًا ما سأجد ما أريد حقًا, وعندها ستصبح كل تجاربي السابقة خبرات عزيزة تنفع ولا تضر. لكن السؤال عاد بي للتوهة من جديد.. أين أنا الآن؟!

"سأكتب يومًا عن والديّ, وإن كنت أهاب ذلك اليوم بشدة يا هيثم. قرأت مرة ليوسف إدريس تقريبًا عن فكرة أن الأبناء عندما يكتبون عن حياتهم مع والديهم والتجارب التي مروا بها معهم _خصوصًا إذا كانت تجارب مؤلمة تخشي في الأساس من الحديث عنها فما بالك بكتابتها علانية على الناس! المهم أن تجربة الكتابة في مثل هذا الطريق قد تكون أسوأ ما يكون لكاتب ما أن يفعله.. لم أتخذ القرار بعد.. وليس هذا هو موضوعنا بأية حال".

كنت أرى تطور "الشخص الذي سألني قبل بضعة سطور", حياته وعمله وغيرها من الأشياء.. ظهر هذا جليًا في كل تصرفاته, وكنت أرى هذا واتساءل: ماذا عنّي؟! ما هو التطور الذي وصلت إليه؟!

فاجئتني الإجابة اليوم في تعليق أدهشني.. التطور الذي وصلت إليه بالفعل _والذي لاحظته أنا ولمسته في تعليقاتك كذلك يا هيثم_ كان في كتاباتي! هل يكفي هذا؟!
...

علام تتعكز يا هيثم؟!
...

أتدري..؟!
بعد "الليزيك"؛ صارت رؤية التفاصيل _البعيدة بالذات_ أمرًا أشبه بالمعجزة التي تحدث دون طلب..! 
في طريق عودتي "من الشرقية"؛ حيث المتابعة مع الطبيب؛ تمتد الطرق على الجانبين, تحمل مرةً غيطانًا واسعة وممتدة على مرمي البصر, خضراء بهية, تفيض على الكون جمالًا وحسنًا, وتسر العين والقلب يا هيثم.. كانت رؤيتها شفاءًا لروحي!.. ثم مرة أخرى يحمل الطريق صحراء جرداء, ترى ببدايتها أسوارًا لمنشآت عسكرية أو يافطة على مساحات صفراء ممتدة تحمل عبارة "أرض ملك القوات المسلحة".. أو تمتد المزارع في نقطة أخرى من الطريق تحمل ثمار البرتقال واليوسفي وغيرها من خيرات الله.. 
رغم النسيان التام للكون طوال أربع ساعات هما عمر الرحلة ذهابًا وعودة, إلا أنك تكتشف أن "الاسماعيلية" هي ثكنة عسكرية بامتياز! أن أغلب الأراضي والمزارع بل وحتى الشركات التي تراها على جانبي الطريق هي ملك للقوات المسلحة! اللعنة! 

بالتأكيد لا اكتب الآن لأخبرك عن مدى الخراب الذي نحياه, نحن في غني عن هذا! ما أردت قوله هو أن: السفر متعة, زادت من بهجتها, فرحة الرؤية الأولى للتفاصيل التي كانت خافية عن العين حتى بوجود "النضارة"..
...

يلومني علاء على إغلاق الفيس فترات طويلة, وله كل الحق في هذا.. حتى وإن دافعت عن نفسي عندها فأنا أعلم تمامًا أني أهملت القريبين مني والذين أصبح الفيسبوك هو وسيلة تواصلي الوحيدة بهم..
...

أهملت سماعات الأذن ياسارة منذ فترة طويلة.. خاصة في وسائل المواصلات العامة.. خاصة في "أتوبيس مستشفى الجامعة.. ربما إذا أتيتِ مرة ما للاسماعيلية فسنركبه معا.. هو تلك الوسيلة التى تحمل فيها "الغلابة" يا سارة.. تحمل أرواح خفيفة على امتلاءها بالألم والحزن, لكن تسُرُّ بكل هذا لله وحده ثم تعود لتحيا على أمل لم يأتِ منذ الأزل يا سارة, وربما لن يفعل..

"هذه رسالة لهيثم, أعرف.."
...

اتعكز على تلك اللحظات.. النظر في وجوه الناس ورؤية الله.. دقائق أو ساعات "التهييس التام" مع إخوتي عندما نفقد إحساسنا بالزمن والناس وننطلق في فكاهة لا تفهم معاناة الحياة وقسوتها.. القراءة التي تذهب بي لأعماق كاتبها, تُريني تفاصيلها الأكثر سرية دون أن ينطق بها الكاتب, وتعود بي للحظة الحالية وأنا على يقين أنه لم يكن في الإمكان أبدع مما كان.. وربما العكس!.. وجود الأصدقاء, أصدقاء الروح الذين يعرفون أن "الروح" لم يعد بإمكانها تحمل المزيد من العبث فصاروا يحترمون المسافات بينما يضفي قربهم _رغم بساطته وبُعد تلاقيه_ على الزمن أنوارًا وجمالًا وبهاءًا كافيين لتحمل ما يَبدُر من العالم..

اتعكز على بقايا الذكريات التي تصنع ملحمة أبدية للفرح والحب.. على اليقين بأن الحياة هي حياة.. ليست جنّةً.
...

ربما هذه هي الرسالة الوحيدة التي اخترت عنوانها بدقة! ..
كالغيث أنت يا هيثم. دائمًا ما تترك بصمة ما, أو هكذا أتخيلّك, أينما حللت تبذل ما يمكن من النفع.. لن أطيل الحديث في هذه النقطة, تعرف السبب..

ما أريده قوله في النهاية؛ أني أدين لك يا هيثم برسالة أخرى, تخُصّك وحدك.. أن تلك الرسالة مُحمّلة بالـ "لخبطة والشك".. ربما لأن التعليق السابق أربكني كثيرًا, فلم أعد أعرف كيف يمكنني الاستمرار الآن! وإن كنت فهمت كلماتك أكثر عندما كتبت أنك أصبحت تكتب لنفسك!
أدرك الآن المعنى المقصود. أفهم الآن يا هيثم, بعد كل هذا الوقت أني أبدع أكثر, بل أتميز, عندما تخرج الكلمات سلسة من القلب لا تبغي سوى أن تصل لقلب مُحدثها.. وهي في طريقها تعرف يقينًا أنها تحمل محبتي وإيماني.. ورغبتي في الحياة من خلالها.

fame


لأن كل ما تخجل منه بنفسك؛ هو ما أنت عليه بالفعل! هو مصدر قوتك! وإنكار ذلك يجعل منك لاشيء.
أو كما قال:

Everything you're ashamed of, all the parts of yourself that you keep secret, everything you want to change about yourself - it's who you are. That's your power. Deny it and you're nothing


الخميس، 12 فبراير، 2015

مشاع


كتبتِ لي ذات مرة: (لأجله), في تعليق على كلمات انطلقت على غير إرادتي لتبوح بمكنون الروح. لم أخبرك عندها, كما أخبرت هيثم مثلًا, أنه: "أضاء روحي" بالفعل يا سارة! وأن النور الذي أسهبنا في الحديث عنه تَخيُّلًا وحكاية كان يفيض بداخلي دون أن أراه, لكن أثره ظهر جليًا كما لاحظتِ..

تعلمين يا سارة أن السير بثبات على الطريق, وإن كان معوجًّا وعرًا, يتطلّب خفة في الروح, ويقينًا صادقًا ينبعث من إيمانٍ حقيقي؛ بالله, بالنفس, وبالخير الكامن في هذا العالم وإن لم نجد أثره..
وتعلمين مثلي أننا لم نعد نمتلك مثل هذه المقومات, بل الأسوأ, أننا لم نعد نمتلك الرغبة في زرع نبتة طيبة بداخلنا تُثمر بعد قليل أو كثير من العمر شجرةً طيبةً ثابتة الأصل غنية الأغصان تُطل على العالم بالظل والخير..

تعلمين..؟!
كل المحاولات للقيام والمواصلة _قبله_ كانت تبوء بفشلٍ مبهرٍ في تكراره وعزيمته على مواصلة الحياة. والغريب أنه لم يفعل سوى أن أزاح بعضًا "أو كثيرًا" من الغبار المتراكم على الفرحة والصبر والحب الموجودين _بالأساس_ في نفسي.. هو فقط عرّفني عليّ مرة أخرى جديدة.. دون موعدٍ مسبق, ودون تجهيزات من جانبي أعُدُّ فيها العُدًّة وأقيم الحصون المنيعة لأمنع نفسي من الولوج إليّ!
أوقفَ كل هذا وأراني ما هو موجود بالقعل, ثم رحل بهدوء ودون سابق إذن, كما أتى...
...

نحن مدينون لأنفسنا بالكثير يا سارة.. لأنفسنا أولًا, ثم لهؤلاء العابرين الذين يحملون قبسًا من نور الحكمة والرحمة التي تكفي لتمنح غريبين مثلنا أمانًا كافيًا للحب.
...

كتبتُ تلك الرسالة بالأمس يا عزيزتي.. ولم أستطع إرسالها, ليس لأنني بالفعل كنت قد سجلّتُ حضوري برسالة أولى لأحمد كما رأيت.. ولكن لأنني أردت أن أضيف عليها حروفًا لم تسعفني الكلمات لروايتها.. كأنني أود الكتابة "مرة ما" بالعامية؛ رسالة, أو عدة رسائل, أُطْبقُ فيها على الكون بالكثير من الحكايات التي لا تُقصّ سوى على "المصطبة" في حضرة الجيران أو الأصدقاء وبرفقة الحطب المشتعل وأكواز الذرة المشوية, والدفء والحنين والحب والجمال الصافيين كنبع ماء من الجنة..
أو أنني في المرة الأولى التي سأراكِ فيها _في القاهرة بالذات_؛ سأحتضنكِ بشدة وسنذهب معًا, لمسجد الحاكم أو للسلطان حسن أو لحديقة الأزهر مثلا.. وسنروي الحكايات الطويلة عن كل شيء..

أو ربما لأخبركِ للمرة المليون أن الحياة صعبة يا سارة.. لكن بعض اللحظات تجعل لها قيمة لا يمكن معها سوى التصبّر والمواصلة.. كالرسائل التي تأتي على غير انتظار "وتكون لجمال حظنا ليست من شركة الهاتف أو من موقع ما تشترك في رسائله على الايميل".. أو كالانتصار على الخوف مرة, والخوض في غمار المجهول, والنجاح مثلًا.. كنسائم الصباح الأولى يا سارة, وآيات القرآن تخاطبكِ وتقول: الله يعلم. أو صبرًا جميلًا يا فتاة.. كالمطر بعد أيام متربة ومليئة بضيق التنفس وضبابية الرؤية والكثير من الوحدة والحيرة.. كسجدة قريبة, وفرحة دعوة تُستجاب بعد طول انتظار..
كـ حضن الأحبة..
...

منذ الأمس وأنا أحاول إيجاد طريقة ملائمة لإنهاء رسائلي هاهنا.. وهو أمر آخر _إلى جانب البحث عن عنوان جيد أو ملائم على أقل تقدير_ يصعب عليّ فعله.. لهذا سأدع النهاية لكلماتكِ, وسأبحث فيها عنّي وعنك..
كوني بخير يا فتاة الأنوار.

الأربعاء، 11 فبراير، 2015

مثل بداية تائهة!


السلام عليك يا أحمد..
في السابق كنت أُفضّلُ, دائمًا, الثرثرة على الemail بعيدًا عن صخب وسائل التواصل الاجتماعية أو غير الاجتماعية.. تبدو الرسائل وكأنها تعرف طريقها من القلب وإليه, تهتدي بالرغبة في الحديث عن الأمور التي تبدو "تافهة" وإن كان جوهرها يحمل التفاصيل الأهم والأكثر تأثيرًا في الحياة.. وفي أعماقنا..
ولازلت..
لكن التغيرات المتلاحقة تفرض نفسها رغمًا عنّا مُحدثة دويًا هائلًا في مفاهيمنا عن العلاقات والحياة.. تظهر قناعاتنا الأكثر رسوخًا بدرجة مذهلة من الهشاشة والخفة, ويُختَبر إيماننا بها بقوة للدرجة التي نشك فيها بأننا نعرف ولو شيئًا حقيقيًا واحدًا عن أنفسنا, المقربين, الحياة, وعن الله ..*

في تلك الأثناء قَررتُ أن أُفرد مساحات أكثر عمقًا وصراحة من نفسي هاهنا.. نوع من الرسائل التائهة, والمتجهة نحو اللاشيء الأبدي..
ربما؛ في الأمر تخفف من عبء الثِقل الذي تحمله رسائلي لبعض المقربين مني.. نوع من الإحساس بالذنب والهزيمة تعقبهم رغبة في الابتعاد التام عن البشر والبقاء في حيز كثير الصمت, كثير الكلام "في صورته المكتوبة هذه المرة".. أو هي رغبة في الراحة والاستسلام للكلمة كي تقول ما تبغيه دون عبء التقيّد بوقت أو حالة أو مزاج.. لا أعلم حقيقة ولا يشغلني الأمر كثيرًا..
...

أتدري..؟!
تتخلى رضوى* _في كتاباتها عن الثورة_ عن دور الكاتبة. تتقمص _أو للدقة_ تعيش رضوى وصف الحالة كإمرأة مصرية أصيلة كل ما ترغب فيه هو رؤية حلمها لبلدها يتحقق أمام عينيها, وبينما ذابت حلاوة الفرحة والانتصار مع العودة الهادئة والمرتبة لما قبل 25 يناير, وبينما عادت مرارة الانكسار وضياع الحقوق وسيل الدماء الذي لم يتوقف للآن.. كانت رضوى تتلاشى! لم تتحمل وجع هذه الفوضى والفرقة.. لم تسعفها صلابتها ومقاومتها الطويلة لتحمل كل ما حدث!
...

يواصل محمد أبو الغيط: (دون أن يدري قال يحيى بالحرف ما قاله آخر بنفس ظروفه لفتاة أصر على سحبها بعيدًا عن موقع المواجهات: إنتِ شكلك بنت ناس ومتعلمة, خلونا احنا الفقرا نموت عشان لما الدنيا تهدى يفضل المتعلمين اللي يقدروا يفيدوا البلد.)*!
...

في الأيام السابقة فرضت عليّ بعض الإجراءات الطبية البقاء وحيدة لأسبوعِ طويلِ وممل.. كان يتوجب عليّ التوقف عن استعمال الهاتف والجهاز أو أي شيء إلكتروني.. وعدم الخروج كثيرًا, أو قليلًا..
ربما أكون هادئة, أو قليلة الكلام.. _وهذا ما ستنفيه عائلتي بشدة أقرب للاستنكار أو التكذيب_ ولكن ما في الأمر أنني بالتأكيد لا يمكنني الجلوس _بالمنزل_ لأكثر من ربع ساعة بنفس الوضعية إلا إذا كنت أشاهد فيلمًا أو مسلسلًا "أجنبيًا بالتأكيد"..

تزعجني الوحدة.. تربك حساباتي وتفقدني توازني .. والأسوأ أنها تفقدني قدرتي على المقاومة..!

الفكرة الوحيدة التي لازمتني طوال الأسبوع السابق كانت "الزنزانة!".
الظلام, الوحدة, الظلم, القسوة والألم والمرض والمعاناة وضياع العمر ومرور الزمن, الفقد.. والنسيان! نسيان الهدف وراء سنوات ثلاثة أمكننا أن نطلق عليها تجاوزًا؛ ثورة! نسيان القابعين وراء القضبان على أمل بالخروج يومًا, بالسفر ربما لمحافظة أخرى أو دولة أخرى.. هروبًا من الملاحقات التي لن تتوقف, ومن الفكرة المجسدة والمعاشة لحظة بلحظة للخوف!
...

لمَ أقول كل هذا؟!
ليس لدي فكرة..
ربما تحمل الرسائل القادمة توضيحًا يمكنني معه رسم ملامح حياة أو مستقبل غامض للحياة على كوكب مصر الشقيق! ربما هي فقط رغبة في الخروج من حيز ضيق تفرضه الكلمات لبراح من الاحتمالات يعمل فيه العقل بحرية.. ولكن الأهم ها هنا هو أني بخير.. أني استطعت تجاوز الأسبوع السابق, لم أبك عندما تدخلّت الممرضة المزعجة لتعبث بعينيّ دون أدني فهم مني لما تفعل أو دون احترام منها لرغبتي في التنفس بعيدًا عن رائحة البيتادين والمعقمات والقطرات والأجهزة.. تحاملت على نفسي وتوقفت عن البكاء عندما غلبتني عيناي في نفس اليوم مساءًا؛ ليس رغبة في أن أكون قوية أو لأبدو كهذا مثلًا عندما سأتذكر هذه الأيام مستقبلًا.. بل لأني أردت هذا..
تتسابق الأيام والأفكار بطريقة عجيبة لإثبات أنني على خطأ, دائمًا! سأحاول أن أكون أكثر قوة وقدرة على التحمل في المرة القادمة, وربما الصراخ في وجه الممرضة والخروج منتصرة..
أو فقط سأحاول أن اختار الطريق الصواب؛ حتى لو بكيت.
...

* د. فيل ماكجرو "بتصرف".
* رضوى عاشور.
* أثقل من رضوى, لـ رضوى عاشور بالتأكيد.

الثلاثاء، 10 فبراير، 2015


الأحلام تتكثّف, بينما تهُّب رياح أمشير جبارة وغاضبة منذ بدايتها..
الكلمات تقف على الأعتاب؛ رافضة للدخول, رافضة للخروج, ومعبّئة بالثِقَل..

الحنين يأبى الرحيل!