الخميس، 15 سبتمبر، 2016

لقد كان طريقًا طويلًا...!


على هامش طريق سَفَر.. تجلس قِصَّة ودليل، وتتبعثر حولهما أمنيات أطقال قلائل الحجم والعمر، وبحار من الصدق والود.

كنت أعرف -بطريقة ما- في كل مرة يأخذني طريقي إلى القاهرة أني سأهيم يومًا على وجهي خلف الحكايات، سأدع قصتي أمام عيني، وأنثر أطروحات وتفاصيل وخبايا الناس من حولي، وأضيع فيها بكامل قوتي. يأخذني الطريق من بداية لأخرى.. تجلس بجواري فتاة في بدايات عقدها الثالث، تصنع من الصمت صديقًا لرحلة تبدو أبدية، وتنظر من النافذة دون حراك حتى تبدّت علامات الوصول.. أمامي يبعث شاب وفتاة الحياة في الطريق.. يأخذون من الضحكات ويردون.. ويتصنعون السكون أحيانًا.. لكن ألق عينيهما لا يلبث أن ينطق دونهما، فيبوح بكل شيء.. بكل شيء.
الطريق ليلًا، ساحر!
الجميع نائم، أو على حافة السكون، إلى رهبة الليل وجلال الوحدة، على سكة ليس لها معالم.. الجميع يُدرك أن النهايات غير مضمونة، والسائق من بينهم جميعًا، يتولى الدفة دون أن ينبس بحرف طوال الطريق.. هو من بينهم جميعًا، خَبِر الحكايات بكل بداياتها ونهاياتها.. ويعرف أنه يخطو نحو قصة جديدة كل يوم، بل كل لحظة.. ولا يهاب في سبيل هذا أن يفرد جناحيه، وينطلق بنا نحو المجهول..!

على هامش قصتي، تتناثر أخبار لا أعرف كيف أصيغها.. تنتظر بطلًا أو غاية!

النور لا يُدرك بقلبٍ صدء.. هكذا أخبرتني الكلمات ذات مرة، عَرِف القلبُ، فلَزَمْ.. ولم يدع للشكِّ سبيلًا لدحر الماضي، بل طريقًا هينًا بين أشواك الحياة..
لم أعد أحاول الهرب مما سبق، بل يحدث أن تعود الذكريات، فأفتح لها الأبواب والنوافذ، وأجلب بضعة مقاعد وأكواب قهوة، وأستمع.. بقليل من الصدق، وبقلبٍ تفهم أن لا سبيل لإنهاء تلك المطاردات العاتية بين أشباح الماضي وأحلام المستقبل سوى تقبّل الأول، ومنح الثاني ما يستحق من الوقت والجهد.
يبدو كل هذا جيدًا في اللحظات الطيبة.. لكن لحظات أخرى تتملكنا، فلا تدع لنا مجالًا لتفكير أو لبقية من عقل! ولا نستطع معها حيلة.

نحن أسرى الحنين..
أقول هذا وأنا أعود لمنزلي مُتعبة من أثر رحلة قصيرة.. في الطريق، خانتني قدماي أكثر من مرة.. كنت أتسنّد على حافة سُلّم، أو سور.. أو على كتف صديقتي دون أن تفهم هي ما الذي يحدث بالضبط، ودون أن أعطيهاه فرصة الشك، أتصنع حديثًا بينما أحاول التماسك.. شيء ما خاطيء يدور بالداخل، وأدفع ثمنه في كل لحظة، إرهاق وحيرة.

سأود لو استطعت إخبارك أنني لا أستطيع المواصلة، ولكنني على مشارف حلم وبدايات طريق.. والراحة لا تفرد جناحيها لمن يريد.. ولكن، رغم هذا، سأُخبرك الآتي:

لقد كان طريقي طويلًا -على قِصره-، رغم أنه لا يحمل الكثير من الإنجازات، إلا لو اعتبرنا النجاة من اليأس، ومحاولات التصالح مع النفس بعد كل سقوط، والهرب من أصوات تحاول جاهدة أن تخبرني دائما كيف أني لا أستحق.. لو اعتبرنا هذه إنجازات طفيفة، فأنا بخير!
أنا بخير.. وأحاول النجاة.
فقط.