الثلاثاء، 29 مايو 2018

ويد الله الخفية في زحمة التفاصيل


.ممكن نقول إن استغلال فرصة الكتابة هو الفعل الأمثل للنجاة في الأوقات الصعبة، أو الأوقات التي تبدو وكأنها لن تنتهِ إلا بمصيبة
"على الهامش"

..أما بعد

لم يعد بإمكاني تمرير تفاصيل عدة دون التقاطها وفحصها ثم القول بأنه هاهنا حدث شيء ما مختلف وجيد "على سبيل التغيير"، فمثلًا، ومنذ أن أصبحت أمتلك كاميرا.. ياللهول، يبدو وقع الكلمات ذاته وكأنني قادمة من المستقبل لأخبر نفسي أنها يومًا ما ستُسافر إلى المريخ، فمن أين لي بالحلم، مجرد الحلم، أنني قادرة يوما على امتلاك واحدة من هذه الأشياء البعيدة.. ولكن، الحقيقة أنني أصبحت أمتلك كاميرا لطيفة لم أسمّها بعد، والحقيقة أيضًا أن عيناي أصبحتا تلتقط حبات نادرة من أحداث الحياة، وترجوني كما لم تفعل من قبل أن ألتقطها، وأؤرخها وأعيد قصّها بروايتي أنا، برؤيتي دونًا عن كل شيء آخر.. وهو ما أصبح يحدث ببطء شديد، في محاولة لتجنب المتاعب التي تجلبها أيضًا الكاميرا نفسها في بلدي العزيز.

قراري بالبدء في كتابي المُحتمل لم يتحول لفعل قابل للتنفيذ بعد. مجرد قرار يعوزه إيمان كامل بأني أمتلك قدرة على صياغة جملة ما مفيدة وجذابة وتحوى شيئًا ما قد يجعل شخصًا لا يعرفني على الإطلاق، أو يفعل، يهتم بقرائتها.. وأنا بعد لا أؤمن! لم أفعل حتى في أكثر لحظاتي تألقًا في عمل ما، تقرير أو مقال أو حتى رسالة على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي.. لا يزال إيماني معطوبًا، ورغبتي الجامحة في قص حكايتي تُغريها رغبة أخرى بالبقاء في الظل وعدم التحول عنه إلى النور والحياة  بالصمت الطويل.. لكنه أيضًا صمت مُصاحب بذلك الخوف والكسل.. وبعض من القول بأنه: يعني هو كتابي أنا اللي هايفرق!؟

لم تكن تلك هي الخطة حين قررت كتابته. معضلتي حينها كانت في إيجاد شخص ما مؤثرًا بما يكفي "بحياتي" لإهدائه الكلمات، للكتابة إليه.. أو بمعنى آخر: للقول بأن هناك شخص ما سيهتم بما يكفي -ربما- ، حين يعلم أن فتاة على الجانب الآخر من الحياة قد اختارته هو تحديدًا ليتلقى قصتها.. ليكون هو موضع ثقة الكلمة المهداة إلى المجهول.. وقد كان. لكن وحتى هذا لم يفلح في دفعي  للبدء.. شيء ما جبار بما يكفي ليُخبرني بقوة أنني غير قادرة على إنفاذ تلك الرغبة، وأنا أمنحه الفرصة للاستمرار..

على هامش كل هذا: يبدو رمضان هذا العام خارجًا تمامًا عن تلك القدرة، أو حتى الرغبة، للحاق به.. ولم يكن هذا سوى لإدراك أن العبادة فيه أصبحت ترتبط بنوع من أنواع التغيير الذي لم يُخبرنا عنه مسبقًا رجال الدين.. التغيير الذي يضع حياتك كاملة تتوقف على أبواب رمضان، حياتك التي اعتدتها من قبل تتوقف لحظة قبل أن تصبح أنت وهي على مرمى حجر من تغيير شامل لكل ما اعتدت فعله دون فهم للسبب.. كوب القهوة الصباحي أصبح يبحث عن قيمة لنجاته من تساؤلات عبثية عن جدوى إدمانه، السعي المحموم خلف كل احتمالية للتغيير دون فهم لمكانتها من أولويات خُطت من قبل، أو من واقع يقول بأن تواجدها الآن لا يُشكل أي إضافة لما يجري بالفعل، الصداقات والعمل والعائلة.. ثم قبل كل هذا وبعده، تلك العلاقة الجدلية الشائكة والمحيرة بالسماء.. كل هذا يُوضع أمام غربال ضخم للسبب الذي من أجله تحدث تفاصيل تتعلق بكل منها.. كل هذا يوضع على ميزان ضخم للقيمة الحقيقة من وجودها، والتأثير الحقيقي الذي تُحدثه.. وفقط حين تُعيد اكتشاف المغزى من كل ما سبق، وغيره، فقط حينها يُصبح لرمضان وجود.. يُصبح لذلك التحول المفاجيء والقاس في روتين الحياة اليومية مفعول السحر الذي لم أدركه بعد سوى بعقلي.. بينما لايزال فعلي على بعد خطوة واحدة -كما العادة- من التنفيذ.

..وفي آخر الأشياء أكتب إليك عزيزي أحمد
في الوقت الذي بدا فيه حلم صديقتي لي غير منطقي على الإطلاق، وفيما ظل في النهاية مجرد حلم بلقاء عزيز على القلب وارته الحياة خلف جدران السفر وتقلبات الحياة.. تبدو مراسلة صديق يحمل من صفة الصداقة ما يميز لقاءات عابرة تقف فيها الحياة بأكملها على الهامش لتشهد مودة خالصة يرعاها إيمان عميق وغير مُعلن عنها لكل منا بالآخر.. في وسط كل هذا بدت رسالتك انغماسة لطيفة وعابرة في جنة لم أكن أعرفها.. تلك التي يُدرك فيها القلب عظم الصدء الذي حاوطه، ثم يُمسح عنه هذا بلمسة حانية ترعاها يد الله وتمنحها نقية وخالصة. يجعلني هذا ممتنة لكل الصداقات العابرة، والرسائل المتروكة لدى أصحابها دون رد لأشهر طويلة قبل أن يُدركها وجودها بالأساس.. والهدايا الزاحف اختيارها من أعماق قلبٍ مُحب، والدعوات المتزاحمة على بوابات السماء فدى للصُحبة وللطرق غير المكتملة.. والألوان التي تخط حياتنا بالبهجة في موضع للحزن والاتكاء إلى السكون والتعب.

بحجم السماء.. ممتنة، لكل هذا وأكثر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق