السبت، 2 يونيو 2018

حضن مطارات


في لحظة سينمائية بتتكرر دايما، بيكون فيها شخص ما مسافر وداير في البيت عمال يلم حاجات أو هدوم.. في شنطة أو كرتونة، وشخص تاني مهم بالنسباله أو ليه دور مؤثر في حياته، داير وراه عمال يرجع الحاجات اللي بتتلم دي تاني لمكانها
كأحد أكثر المشاهد، أو اللحظات الفارقة في حياتي، بيحصل عند مرحلة معينة إن الاتنين بيتوقفوا تماما عن الدوران في الدايرة المقفولة دي، وبتبدأ سردية ما؛ موقف مؤثر، حكاية أو لمحة عن النقطة الحرجة اللي هما فيها واللي بتتمثل في غياب أحدهما المحتمل عن الآخر لأي سبب كان.. لحظة بيتوقف عندها الزمن تماما وبتبدأ التفاصيل في الظهور بخفة وأناقة.. مستوى تاني من المشاعر والبوح واطمئنان كلاهما لصدق الآخر بيجعل الموقف كاملا أشبه برحلة طويلة اتقطعت في شوط واحد ودي خلاصتها بتُمنح مجانا للعابرين.. المشاهدين طبعا هنا.. اللي هم احنا.
...

في أحد محادثات تيد اللي بأعيد مشاهدتها للمرة المش عارفة كام.. بيحكي أندرو عن قصص لعائلات بتقابل ظروف صعبة مع أولادها اللي بيولدوا بنوع من العجز أو المرض أو كلاهما.. الخلاصة اللي أندرو "الباحث والصحفي والمحاضر وحاجات تانية كتيرة" بيحاول يوصلها هو إن الحب وحده كان السبب الأوحد لوصول كلاهما "الأب أو الأم" من ناحية، والطفل من ناحية تانية لمرحلة أشبه بالتسامح مع الحياة بالطريقة اللي اختاروها للتعايش مع المرض أو العجز
في أحد القصص في أم بتقول إنه كان استحالة تصدق في يوم من الأيام إن خوفها على طفلها هايتحول في المستقبل من مرضه إلى خوف من كونه بيتعاطي مخدرات تقريبا مع أصدقائه أو شيء من هذا القبيل.. وهو سأل أم أخرى عما إذا كانت تُفضل إن طفلها لم يولد في الحياة أصلا بسبب عجزه.. وكانت الإجابة إنها خايفة على ابنها من الحياة دي، لكنها لا تتمنى أبدا حياة أخرى بطفل آخر أكثر صحة أو مختلف عن طفلها الحالي.
...

من أكتر من سنة كان عندي حساب على الفيسبوك بمئات المتابعين والأصدقاء والأهل.. حساب مُحمل بمحادثات الأصدقاء لسنوات طويلة، وذكريات لا تقل أهمية عن الواقع اللي بنعيشه معاهم.. لكنه كمان كان مُحمل بنسخة لفتاة أنا معرفش عنها حاليًا أي شيء.. وكأنها فتاة أخرى مختلفة تماما عني.. وكأن بحذفي النهائي للحساب ده والبقاء سنة كاملة بعيدة عن التواصل مع أغلب الناس هناك بأنقطع بشكل أخير وكامل عن كل ما كنت عليه في الفترة دي، وبابدأ فترة جديدة، أو بأعيد تعريف نفسي في الواقع عشان تظهر من جديد "امرأة" هذه المرة بتتعامل مع الحياة "ووسائل التواصل ضمنها" بأسلوب جديد.. وبتقطع أشواط سريعة في التواصل مع كل ما كان يخالف اللي كانت عليه.. من جديد، وكأني بأؤكد اختلافي عن اللي فات.. وكأني باتبرأ منه.
...

أسبوعين تقريبا عدوا على صحياني من النوم منزعجة على خلفية حلم غير طيب على الإطلاق.. ومن حسن حظي الحقيقة إن محدش في البيت كان موجود ساعتها.. لأنه أكيد كان هايبقى من الغريب بالنسبالهم إن بنتهم تقوم من النوم بتصرخ بشكل هيستيري من حلم مش فاكرة منه أي حاجة.. ومن حسن حظي إن كل مرة ده بيحصل فيها بأكون لوحدي في البيت تقريبا.. ومش قادرة أحدد هل السبب هو إني خايفة من اعتقاد شبه جازم بجنوني بينتشر في الأرجاء من حولي.. ولا لأني مش حابة حد يشوفني قايمة من النوم بعيط لمجرد إني كنت بعيط في الحلم.. بعيط أو بصرخ أو بتخانق أو بجري وقايمة بأنهج في لحظة وقوف هيستيرية لمطاردة وهمية تماما كانت قادرة بكل ثقة على إزعاج نومي الخفيف بالأساس.
...

بعد 10 أيام بالضبط من النهاردة هايكون يوم ميلادي.. وللمرة الأولى في حياتي بأتخيل حفلة عيد ميلاد وشموع وصحبة. قبل كده مكنتش بحب عيد ميلادي.. يمكن لأنه دايما ارتبط بفكرة مرور سنة تانية ملهاش أي لازمة.. مقدمتش فيها إضافة للحياة بأي طريقة.. أو هكذا كنت أتخيل.
مش عارفة ليه المرة دي مختلفة.. بس بقدر رغبتي في الحفلة، بقدر رفضي ليها وللفكرة بالأساس.. خاصة من اللي ممكن يقرأوا الكلمات دي.
فكرتي عن الحفلة حميمية ومقربة من القلب بتواجد مكثف للأحبة.. فكرتي عن أعياد الميلاد إنها فرصة طيبة لإعادة تدوير العجلة بطريقة كل الحاضرين راضيين عنها تماما.. مش عارفة إزاي بس لأن الذكرى مكررة بشكل روتيني قاتل طول حياتنا.. ولأنها فاقدة لمعناها أو قيمتها عند الغالبية العظمى اللي أعرفها عالأقل.. ففي مرحلة معينة بيكون الأمر أشبه بطبطبة على الضهر وفكرة خيالية عن الصداقة والمودة والحنين مُضافا ليها أفكار متضاربة عن النهاية والغروب والحزن.. مزيج مرعب ولامتناهي من الأفكار المتناقضة والمحببة للنفس لمجرد كونها مرتبطة بدايرة صغيرة هم اللي بيفتكروا عيد ميلادك بدون تذكرة.. وهم اللي بيعايروك دايما بإنهم بيفتكروه بس في النهاية هم هنا طول السنة.. وطول ما هم قادرين.
...

هدير هي صاحبة العنوان الأثير "حضن مطارات".. وهي الكلمة أو المعنى المفضل لكلانا عند التفكير في اللقاء الأول -الذي لم يكن للآن- ما بيننا..
عبدالحكيم هو اللي بعتلي جزء من رواية لكاتبة إيرانية.. ولا الرواية هي اللي كانت عن إيران؟ مش فاكرة.. بس بعتلي صفحة فيها المشهد الأول من التدوينة.. ومبعتليش باقي المشهد اللي انتهت الصفحة اللي بعتهالي فيه عند توقف البنتين اللي بيطاردوا بعض في الشقة.. وبداية الحوار المنتظر.. واللي هاكتشف فيما بعد إن الحوار نفسه "اللحظة الأهم بالنسبة لي" هاتتم مقاطعته بجرس الباب اللئيم.. ولن يكتمل..
الحلم عدى على خير وصحيت من النوم.. لكن الفكرة مزعجة عن إنه حتى الأحلام أصبحت موطن للمطاردات والخوف -الرعب في بعض الأحيان- والموت في كثير منها..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق