الأربعاء، 6 يونيو 2018

تخاطيف


يُقال بأنه طالما استطاعت الكلمات، بطريقة ما، الخروج للعلن، فإن استردادها إلى العتمة التي كانت فيها من قبل هو مستحيل مُطلق. وأنا أؤمن بهذا ربما، أو لا أفعل.. لكن الجلال كل الجلال للكلمات التي تنطلق بأرواحنا إلى مساحة تتسع يومًا بعد يوم من سِعة البوح وكرمه وخفته، الجلال للكلمة، الرحمة بنا نحن قائليها من بين أشواك النفس ودركاتها.

في العام قبل الماضي، وخلال عملي ضمن تنظيم "مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية"، سنتجاوز عن فكرة عملي بتنظيم المهرجان إلى سعيي ما بين أماكن العرض في محاولة لسد ثغرات التنظيم من جهة، واللحاق بركب بعض الأفلام من جهة أخرى.. سنتجاوز عنها إلى الرجل الذي لا أتذكر من هو تحديدًا أو ما الذي يفعله هنا بالضبط ليُخبرني بالآتي، بعد أن استوقفني في منتصف الطريق إلى شيء ما، ليقول: انتي ليه -من أول المهرجان- كل ما أشوفك في مكان ألاقيكي بتجري؟

لم يكن عجبي من التساؤل ذاته بقدر دهشتي من سؤال لنفسي: هو عرف إزاي؟ طب لما عمو -اللي لا يعرفني ولا أعرفه- عرف ده من أيام معدودة شافيني فيها كام مرة حتى من غير ما يتكلم معايا ولا مرة، فأنا ليه بجري طول الوقت؟ ورايا ايه عشان ألحقه؟ وايه الشيء القوي أوي في حياتي أو المهم لدرجة إن نفسي المقطوع ده بيقاوح طول الوقت عشان يوصله من غير ما افتكر مرة واحدة بس إن ده حصل فعلًا؟

ما أتذكره جيدًا هو أن غيابي عن الفيسبوك بشكل متصل لعامين تقريبًا، ولفترات متقطعة تصل للستة أشهر من قبلهما، كانت كافية لنيّة مبيتة بعدم العودة لهذا العالم مرة أخرى. تجربة واحدة كانت أكثر من كافية لمعرفة أنه عالم غاضب على نفسه بما يكفي لإحراق الكوكب كله ببعض كلمات.. لكن شيئا ما حدث.. العمل وبعض الأشخاص الذين أردت بشدة متابعتهم.. كانوا كافيين للعودة بشكل خفي وعلى استحياء، قبل أن أقرر مرة أخرى العودة بشكل كامل للتجربة.
لا يُشكل الفيسبوك بحد ذاته تجربة جديرة بـ"الحكي عنها"، لكني حين عدت كان قراري قاطعًا بعدم إضافة الأصدقاء القدامى إليه، ثم حدث ووجدني البعض.. هنا فقط اكتشفت الجزء الكبير مني الذي تغير بشكل كامل، ولم يعد مُطلقًا من التجربة السابقة.

ما أقصده هنا هو حياتي كلها.. تجربة متكاملة كنت فيها فتاة أخرى، لم تعد من شغفها بالحلوى واستطعام كلمات الود والحنين، وتألق الرغبة في تغيير العالم بين كلمات وأفعل تتبناها جميعًا، لم يُكتب لمثل هذه التفاصيل، والكثير غيرها، النجاة. لكن ما نجى مني بالفعل تحول بنحت التجربة وشدتها إلى إمرأة تُدرك بعضًا من قيمة اللحظة الحية بكل صغيرة فيها.. تتعلم الشغف بما تصنعه يداها، وليس ما ترغب في صناعته فقط، وتخلق لنفسها عالمًا مواز يمكنه فيه النجاة دون الحاجة لحل قضايا الأمن والسلام العالميين أو تطهير الكوكب من الفساد والخوف، أو إنقاذ كل الكائنات من الظلم والموت والحيرة.

ما أصبحت عليه، صار مصدر قلق مُضن لمن لم يُعايش التجربة من الأهل والأصدقاء.. ومعهم تحولت التساؤلات الضخمة عن مدى سوء الوضع -كما يرونه بالطبع-، وعما إذا كنت بخير بالفعل -دون أن يروا هم هذا الخير-، وعن ذلك المستقبل المجهول لـ إمرأة لم يُدرك أيهم كيف وصلت لتلك النقطة تحديدًا مما يعتبرونه ضياعًا كاملًا.. كل هذا شكل عبئًا يفرض التخلي الذي لم أستطع معه إخبار الكثيرين تفاصيله الأكثر صعوبة، وحكاياه ذات الدلال والرقة على القلب والروح.

على بوابات الإسماعيلية، وقبل مدينة بورسعيد بقليل، يقبع "دُكان" يصلح تسميته "سوبرماركت" لطيف. يتوقف السائق على يمين الطريق ليملأ زجاجة المياة قبل مواجهة الشمس والرطوبة مرة أخرى، ويقف في واجهة الدكان فتى قد يصل عمره للخمس عشرة ربيعًا. يقف دون حراك ويمتنع عن الحديث بمشاهدة كلا العابرين والمتوقفين كالسائق للتزود بالحياة. ولوهلة، تبدو حياته بالنسبة لي غاية الحُسن ومنتهاه.. على طريق الهجرة بين المدن يسكن قلبي وذكرى دكان صغير يتزود بطعم الوجود.. ويمد الناس بسبل النجاة.. يحمي نفسه بدعوات مقبولة لمسافر وجد ضالته هناك؛ مياة أو طعام أو وورد حتى.. وينتظر أن يحمل إليه الطريق المقابل، والذي لا يكون سوى الحكايات التي لا تتوقف إلا بتوقف الحياة ذاتها.. هناك يكمن موطن شغفي ومنبعه.. أحاديث الغرباء المطمئنة إلى عدم اللقاء من جديد.. فتقول كل شيء بلا تحفظ.. وحكمة الطريق تُلقى دون اهتمام بمن يلتقطها، لأن أحدًا لن يتوقف إلا  إذا انقطعت به السبل وضاقت.. وسأكون عندها حاضرة، في انتظاره بكل ذرة مني.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق